ﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰ

مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ وَكَانَ مُتَّكِئًا ((أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ الْإِشْرَاكِ بِاللهِ وَعُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ - ثُمَّ قَعَدَ فَقَالَ - أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ)). وَبِمَا رَوَيَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا أَيْضًا ((آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ، إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ))، وَفِي رِوَايَةٍ لِغَيْرِهِمَا: ((ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مُنَافِقٌ وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَحَجَّ وَاعْتَمَرَ وَقَالَ إِنَّهُ مُسْلِمٌ))، وَذَكَرَهُنَّ.
بَلَى إِنَّهُ عَالِمٌ بِكُلِّ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ التَّأْوِيلُ أَفْسَدَ عَلَى كُلِّ أَهْلِ دِينٍ دِينَهُمْ.
أَقُولُ: أَشَارَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ إِلَى مَا كَانَ مِنْ إِقْدَامِ هَذَا الْعَالِمِ الْعَابِدِ عَلَى شَهَادَةِ الزُّورِ وَاسْتِحْلَالِهَا بِتِلْكَ الْحِيلَةِ السَّخِيفَةِ، وَذَكَرَ أَمْثِلَةً أُخْرَى، وَقَدْ تَذَكَّرْتُ عِنْدَ كِتَابَةِ الْحَدِيثِ فِي الْمُنَافِقِينَ أَنَّ بَعْضَ شُيُوخِ الْأَزْهَرِ الْمَعْرُوفِينَ كَانَ وَعَدَنِي وَعْدًا وَأَخْلَفَ، فَسَأَلْتُهُ بِهِ فَقَالَ: إِنَّ فُقَهَاءَنَا الْحَنَفِيَّةَ قَالُوا بِأَنَّ الْوَفَاءَ بِالْوَعْدِ غَيْرُ وَاجِبٍ، فَقُلْتُ وَقَدْ تَمَيَّزْتُ مِنَ الْغَيْظِ: إِنَّ مَنْ يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ بَعْدَ مَا وَرَدَ مِنَ النُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ فِي الْوَفَاءِ وَفِي الْوَعِيدِ عَلَى تَرْكِهِ فَهُوَ مُخْطِئٌ، وَقَوْلُهُ مَرْدُودٌ كَمَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ (بَلْ قُلْتُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا) وَإِنَّنِي أُبَرِّئُ الْأَئِمَّةَ مِنَ الْقَوْلِ بِحِلِّ إِخْلَافِ الْوَعْدِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ صَحِيحٍ، وَلَكِنَّنِي أَعْذُرُ الْفُقَهَاءَ إِذَا قَالُوا بِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ عَلَى مَنْ وَعَدَ بِالْوَفَاءِ وَيُلْزِمَهُ ذَلِكَ إِلْزَامًا، وَلَا أَعْذُرُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْوَفَاءَ مُسْتَحَبٌّ وَتَرْكُهُ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمَعْرُوفَ فِي أَكْثَرِ كُتُبِ الْفِقْهِ الْمُتَدَاوَلَةِ.
وَلَقَدْ صَارَ الْعَالَمُ الْمُسْلِمُ عَاجِزًا فِي أَكْبَرِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ إِنْكَارِ مَا يُخَالِفُ هَدْيَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ كُتُبِ الْمَيِّتِينَ وَلَا سِيَّمَا إِذَا اشْتَهَرُوا بِاخْتِيَارِ كُتُبِهِمْ لِلتَّدْرِيسِ، وَحُجَّةُ هَؤُلَاءِ الْمُقَلِّدِينَ عَلَى نَصْرِ كُتُبِ الْمَيِّتِينَ وَتَرْجِيحِهَا عَلَى كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ هِيَ أَنَّ الْقَادِرِينَ عَلَى الْاهْتِدَاءِ بِهِمَا قَدِ انْقَرَضُوا، فَوَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ تَرْكُ الْعَمَلِ بِهِمَا، وَالْاعْتِمَادُ عَلَى كُتُبِ الْعُلَمَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ الَّذِينَ اسْتَنْبَطُوا مِنْ قَوَاعِدِ أَئِمَّتِهِمْ جَمِيعَ مَسَائِلِ الدِّينِ، فَعَلَيْنَا أَنْ نَأْخُذَ بِكُلِّ مَا قَالُوا، وَأَلَّا نَنْظُرَ فِي الْكِتَابِ إِلَّا لِلتَّبَرُّكِ بِهِمَا، فَإِنْ رَأَيْنَا خِلَافًا بَيْنَ قَوْلِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَقَوْلِ الْفَقِيهِ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ، فَعَلَيْنَا أَنْ نَتَّهِمَ عُقُولَنَا وَأَفْهَامَنَا، وَنُنَزِّهَ فَهْمَ الْفَقِيهِ الْمَيِّتِ وَعَقْلَهُ، وَنَعْمَلَ بِقَوْلِهِ مُكَابِرِينَ
أَنْفُسَنَا الَّتِي سُجِّلَ عَلَيْهَا الْحِرْمَانُ مِنْ فَهْمِ الْكِتَابِ الْمُبِينِ وَالسُّنَّةِ الْبَيْضَاءِ الَّتِي وَصَفَهَا صَاحِبُهَا بِأَنَّ لَيْلَهَا كَنَهَارِهَا أَيْ لَا يَشْتَبِهُ فِيهَا أَحَدٌ! ! ! هَذَا مَا عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَبْعُدْ مَنْ قَبْلَهُمْ عَنْ كِتَابِ رَبِّهِمْ أَشَدَّ مِنْ هَذَا الْبُعْدِ، وَسَيَعُودُونَ إِلَيْهِ بَعْدَ حِينٍ، فَقَدْ أَخَذَهُمُ الْعَذَابُ عَلَى تَرْكِهِ (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) (٣٠: ٤٧).
ثُمَّ قَالَ - تَعَالَى -: (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ) أَيْ لَوْ أَنَّهُمُ اسْتَبْدَلُوا الْإِيْمَانَ بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَذَا السِّحْرِ الْخَادِعِ وَاتِّبَاعِ نَزَغَاتِ الشَّيَاطِينِ، أَوْ لَوْ آمَنُوا بِكِتَابِهِمْ إِيْمَانًا حَقِيقِيًّا - وَمِنْهُ الْبِشَارَةُ بِالنَّبِيِّ وَالْأَمْرُ بِاتِّبَاعِهِ - وَاتَّقَوْا بِالْعَمَلِ بِهِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى حُدُودِهِ

صفحة رقم 336

مَغَبَّةَ مَا يَنْتَظِرُهُ الْمُجْرِمُونَ مِنَ الْعُقُوبَةِ عَلَى الْعِصْيَانِ، لَكَانَ ثَوَابُ اللهِ لَهُمْ عَلَى الْإِيْمَانِ الصَّحِيحِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ جَمِيعِ مَا تَوَهَّمُوهُ فِي الْمُخَالَفَةِ مِنَ الْمَنَافِعِ. ثُمَّ قَالَ: (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) أَيْ إِنَّهُمْ فِي كُلِّ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْأَبَاطِيلِ، وَمِنْ زَعْمِهِمْ أَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى الْكِتَابِ بِضُرُوبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ، يَتَّبِعُونَ الظُّنُونَ وَيَعْتَمِدُونَ عَلَى التَّقْلِيدِ، وَلَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْعِلْمِ الصَّحِيحِ، وَلَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ عِلْمًا صَحِيحًا لَظَهَرَ أَثَرُهُ فِي أَعْمَالِهِمْ وَلَآمَنُوا بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاتَّبَعُوهُ فَكَانُوا مِنَ الْمُفْلِحِينَ.
وَمِنْ مَبَاحِثِ اللَّفْظِ فِي الْآيَاتِ: أَنَّ بَابِلَ بَلْدَةٌ قَدِيمَةٌ كَانَتْ فِي سَوَادِ الْكُوفَةِ (قَبْلَ الْكُوفَةِ) فِي أَشْهَرِ أَقْوَالِ الْمُفَسِّرِينَ، وَيُؤْخَذُ مِنْ بَعْضِ كُتُبِ التَّارِيخِ أَنَّهَا كَانَتْ فِي الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ مِنْ نَهْرِ الْفُرَاتِ بَعِيدَةً عَنْهُ، وَيُقَالُ: إِنَّ أَصْلَ اشْتِقَاقِهَا فِي الْعِبْرَانِيَّةِ يَدُلُّ عَلَى الْخَلْطِ، إِشَارَةً إِلَى مَا يَرْوِيهِ الْعِبْرَانِيُّونَ مِنِ اخْتِلَاطِ الْأَلْسِنَةِ هُنَاكَ. وَهَارُوتُ وَمَارُوتُ اسْمَانِ أَعْجَمِيَّانِ، وَلَوْ كَانَا مُشْتَقَّيْنِ مِنَ الْهَرْتِ وَالْمَرْتِ كَمَا زَعَمَ بَعْضُهُمْ لَمَا مُنِعَا مِنَ الصَّرْفِ، وَ (مِنْ) فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ) لِاسْتِغْرَاقِ النَّفْيِ وَتَأَكُّدِهِ، وَقَدْ شَدَّدَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ كَعَادَتِهِ الْإِنْكَارَ عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّهَا زَائِدَةٌ، وَقَالَ: إِنَّمَا الزَّائِدَةُ مَا يُذْكَرُ لِلتَّحْلِيَةِ وَلَا يَكُونُ لَهُ مَعْنًى مَا وِفَاقًا لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، وَالْمَثُوبَةُ الثَّوَابُ، وَ (لَمَثُوبَةٌ) خَبَرُ (لَوْ)، قَالَ الْأُسْتَاذُ: أَيْ لَكَانَتْ مَثُوبَةٌ مِنَ اللهِ خَيْرًا.
وَقَدْ قَدَّرُوا لَهَا فِعْلًا فَقَالُوا: الْأَصْلُ لَأُثِيبُوا مَثُوبَةً، فَحُذِفَ الْفِعْلُ وَرُكِّبَ الْبَاقِي جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِيَدُلَّ عَلَى ثَبَاتِ الْمَثُوبَةِ، وَنُكِّرَتْ لِبَيَانِ أَنَّهَا مَهْمَا قَلَّتْ فَهِيَ خَيْرٌ لَهُمْ، وَأَصْلُهَا الثَّوْبُ بِمَعْنَى الرُّجُوعِ، كَأَنَّ الْمُحْسِنَ يَثُوبُ إِلَى مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ بَعْدَ الْإِعْرَاضِ.
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)
أَقُولُ: هَذَا خِطَابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي أَمْرٍ لَهُ عِلَاقَةٌ بِمَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْيَهُودِ، فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَاضِي السِّيَاقِ الْخَاصِّ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَبَدْءِ انْتِقَالٍ مِنْهُ إِلَى سِيَاقٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى جَمِيعًا فِي أَمْرِ الدِّينِ. وَ (رَاعِنَا) كَلِمَةٌ كَانَتْ تَدُورُ عَلَى أَلْسِنَةِ الصَّحَابَةِ فِي خِطَابِ النَّبِيِّ
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

صفحة رقم 337

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني

الناشر 1990 م
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية