)وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ) ( البقرة : ١٤ ) ) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) ( البقرة : ١٥ )
التفسير :
قوله تعالى : وإذا لقوا الذين آمنوا أي قابلوهم، أو جلسوا إليهم ؛ قالوا أي للمؤمنين الذين لقوهم ؛ آمنا أي كإيمانكم..
قوله تعالى : وإذا خلوا إلى شياطينهم ؛ ضُمِّن الفعل هنا معنى " رجعوا " ؛ ولذلك عُدِّي ب إلى ، لكن عُدِّي بالفعل خلوا ليكون المعنى : رجعوا خالِين بهم ؛ والمراد ب شياطينهم كبراؤهم ؛ وسمي كبراؤهم ب " الشياطين " لظهور تمردهم ؛ وقد قيل : إن " الشيطان " كل مارد ؛ أي كل عاتٍ من الجن، أو الإنس، أو غيرهما : شيطان ؛ وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم الكلب الأسود بأنه شيطان ؛ وليس معناه شيطان الجن ؛ بل معناه : الشيطان في جنسه : لأن أعتى الكلاب، وأشدها قبحاً هي الكلاب السود ؛ فلذلك قال صلى الله عليه وسلم : " الكلب الأسود شيطان " (١) ؛ ويقال للرجل العاتي : هذا شيطان بني فلان. أي مَريدهم، وعاتيهم..
وكلمة : " شيطان " : النون فيها أصلية من " شطن " بمعنى بعُد ؛ ولكونها أصلية صُرف الاسم بتنوين، كما في قوله تعالى : ويتبع كل شيطان مريد [ الحج : ٣ ] ؛ ولو كانت النون والألف زائدتان منعت من الصرف ؛ لأن الألف والنون إذا كانتا زائدتين في عَلَم ؛ أو وصف فإنه يُمنع من الصرف ؛ وأما إذا كانتا زائدتين في غير علم، ولا وصف فإنه لا يمنع من الصرف..
قوله تعالى : إنا معكم أي صحب مقارنون لكم تابعون لكم ؛ إنما نحن مستهزئون أي ما نحن إلا ساخرون بالمؤمنين : نظهر لهم أنا مسلمون لنخادعهم..
. ١ من فوائد الآيتين : ذلّ المنافق ؛ فالمنافق ذليل ؛ لأنه خائن ؛ فهم إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا خوفاً من المؤمنين ؛ و إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم خوفاً منهم ؛ فهم أذلاء عند هؤلاء، وهؤلاء ؛ لأن كون الإنسان يتخذ من دينه تَقيَّة فهذا دليل على ذله ؛ وهذا نوع من النفاق ؛ لأنه تستر بما يُظَن أنه خير وهو شر..
. ٢ ومنها : أن الله يستهزئ بمن يستهزئ به، أو برسله، أو بشرعه جزاءً وفاقاً ؛ واعلم أن ها هنا أربعة أقسام :
قسم هو صفة كمال لكن قد ينتج عنه نقص : هذا لا يسمى الله تعالى به ؛ ولكن يوصف الله به، مثل " المتكلم "، و " المريد " ؛ فـ " المتكلم "، و " المريد " ليسا من أسماء الله ؛ لكن يصح أن يوصف الله بأنه متكلم، ومريد على سبيل الإطلاق ؛ ولم تكن من أسمائه ؛ لأن الكلام قد يكون بخير، وقد يكون بشر ؛ وقد يكون بصدق، وقد يكون بكذب ؛ وقد يكون بعدل، وقد يكون بظلم ؛ وكذلك الإرادة..
القسم الثاني : ما هو كمال على الإطلاق، ولا ينقسم : فهذا يسمى الله به، مثل : الرحمن، الرحيم، الغفور، السميع، البصير... وما أشبه ذلك ؛ وهو متضمن للصفة ؛ وليس معنى قولنا :" يسمى الله به " أن نُحْدِث له اسماً بذلك ؛ لأن الأسماء توقيفية ؛ لكن معناه أن الله سبحانه وتعالى تَسَمَّى به..
القسم الثالث : ما لا يكون كمالاً عند الإطلاق ؛ ولكن هو كمال عند التقييد ؛ فهذا لا يجوز أن يوصف به إلا مقيداً، مثل : الخداع، والمكر، والاستهزاء، والكيد. فلا يصح أن تقول : إن الله ماكر على سبيل الإطلاق، ولكن قل : إن الله ماكر بمن يمكر به، وبرسله، ونحو ذلك..
مسألة :-
هل " المنتقم " من جنس الماكر، والمستهزئ ؟
الجواب : مسألة " المنتقم " اختلف فيها العلماء ؛ منهم من يقول : إن الله لا يوصف به على سبيل الإفراد، وإنما يوصف به إذا اقترن بـ " العفوّ " ؛ فيقال :" العفوُّ المنتقم " ؛ لأن " المنتقم " على سبيل الإطلاق ليس صفة مدح إلا إذا قُرِن بـ " العفوّ " ؛ ومثله أيضاً المُذِل : قالوا : لا يوصف الله سبحانه وتعالى به على سبيل الإفراد إلا إذا قُرِن بـ " المُعِز " ؛ فيقال :" المعزُّ المُذل " ؛ ومثله أيضاً " الضار " : قالوا : لا يوصف الله سبحانه وتعالى به على سبيل الإفراد إلا إذا قُرِن " النافع " ؛ فيقال :" النافع الضار " ؛ ويسمون هذه : الأسماء المزدوجة..
ويرى بعض العلماء أنه لا يوصف به على وجه الإطلاق. ولو مقروناً بما يقابله. أي إنك لا تقول : العفوّ المنتقم ؛ لأنه لم يرد من أوصاف الله سبحانه وتعالى " المنتقم " ؛ وليست صفة كمال بذاتها إلا إذا كانت مقيدة بمن يستحق الانتقام ؛ ولهذا يقول عزّ وجلّ : إنا من المجرمين منتقمون [ السجدة : ٢٢ ]، وقال عزّ وجلّ : والله عزيز ذو انتقام [ آل عمران : ٤ ] ؛ وهذا هو الذي يرجحه شيخ الإسلام ابن تيمية ؛ والحديث الذي ورد في سرد أسماء الله الحسنى، وذُكر فيه المنتقم غير صحيح ؛ بل هو مدرج ؛ لأن هذا الحديث فيه أشياء لم تصح من أسماء الله ؛ وحذف منها أشياء هي من أسماء الله. مما يدل على أنه ليس من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم..
القسم الرابع : ما يتضمن النقص على سبيل الإطلاق : فهذا لا يوصف الله سبحانه وتعالى به أبداً، ولا يسمى به، مثل : العاجز ؛ الضعيف ؛ الأعور.... وما أشبه ذلك ؛ فلا يجوز أن يوصف الله سبحانه وتعالى بصفة عيب مطلقاً..
والاستهزاء هنا في الآية على حقيقته ؛ لأن استهزاء الله بهؤلاء المستهزئين دال على كماله، وقوته، وعدم عجزه عن مقابلتهم ؛ فهو صفة كمال هنا في مقابل المستهزئين مثل قوله تعالى : إنهم يكيدون كيداً * وأكيد كيداً [ الطارق : ١٥، ١٦ ] أي أعظمَ منه كيداً ؛ فالاستهزاء من الله تعالى حق على حقيقته، ولا يجوز أن يفسر بغير ظاهره ؛ فتفسيره بغير ظاهره محرم ؛ وكل من فسر شيئاً من القرآن على غير ظاهره بلا دليل صحيح فقد قال على الله ما لم يعلم ؛ والقول على الله بلا علم حرام، كما قال تعالى : قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون [ الأعراف : ٣٣ ] ؛ فكل قول على الله بلا علم في شرعه، أو في فعله، أو في وصفه غير جائز ؛ بل نحن نؤمن بأن الله جل وعلا يستهزئ بالمنافقين استهزاءً حقيقياً ؛ لكن ليس كاستهزائنا ؛ بل أعظم من استهزائنا، وأكبر، وليس كمثله شيء..
وهذه القاعدة يجب أن يسار عليها في كل ما وصف الله به نفسه ؛ فكما أنك لا تتجاوز حكم الله فلا تقول لما حرم :" إنه حلال "، فكذلك لا تقول لما وصف به نفسه أن هذا ليس المراد ؛ فكل ما وصف الله به نفسه يجب عليك أن تبقيه على ظاهره، لكن تعلم أن ظاهره ليس كالذي ينسب لك ؛ فاستهزاء الله ليس كاستهزائنا ؛ وقرب الله ليس كقربنا ؛ واستواء الله على عرشه ليس كاستوائنا على السرير ؛ وهكذا بقية الصفات نجريها على ظاهرها، ولا نقول على الله ما لا نعلم ؛ ولكن ننزه ربنا عما نزَّه نفسه عنه من مماثلة المخلوقين ؛ لأن الله تعالى يقول : ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [ الشورى : ١١ ]..
أما الخيانة فلا يوصف بها الله مطلقاً ؛ لأن الخيانة صفة نقص مطلق ؛ و " الخيانة " معناها : الخديعة في موضع الائتمان. وهذا نقص ؛ ولهذا قال الله عزّ وجلّ : وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم [ الأنفال : ٧١ ]، ولم يقل : فخانهم ؛ لكن لما قال تعالى : يخادعون الله [ النساء : ١٤٢ ] قال : وهو خادعهم [ النساء : ١٤٢ ] ؛ لأن الخديعة صفة مدح مقيدة ؛ ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم :" الحرب خدعة " (١)، وقال صلى الله عليه وسلم :" لا تخن من خانك " (٢) ؛ لأن الخيانة تكون في موضع الائتمان ؛ أما الخداع فيكون في موضع ليس فيه ائتمان ؛ والخيانة صفة نقص مطلق..
. ٣ ومن فوائد الآيتين : أن الله سبحانه وتعالى قد يُملي للظالم حتى يستمر في طغيانه..
فيستفاد من هذه الفائدة فائدة أخرى : وهي تحذير الإنسان الطاغي أن يغتر بنعم الله عزّ وجلّ ؛ فهذه النعم قد تكون استدراجاً من الله ؛ فالله سبحانه وتعالى يملي، كما قال تعالى : ويمدهم في طغيانهم يعمهون ؛ ولو شاء لأخذهم، ولكنه سبحانه وتعالى يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته. كما جاء في الحديث(٣)..
فإن قال قائل : كيف يعرف الفرق بين النعم التي يجازى بها العبد، والنعم التي يستدرج بها العبد ؟
فالجواب : أن الإنسان إذا كان مستقيماً على شرع الله فالنعم من باب الجزاء ؛ وإذا كان مقيماً على معصية الله مع توالي النعم فهي استدراج..
. ٤ ومن فوائد الآيتين : أن صاحب الطغيان يعميه هواه، وطغيانه عن معرفة الحق، وقبوله ؛ ولهذا قال تعالى : ويمدهم في طغيانهم يعمهون ؛ ومن الطغيان أن يُقَدِّم المرء قوله على قول الله ورسوله ؛ والله تعالى يقول :{ يا أيها الذين آمنوا لا تقدِّموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم( الحجرات : ١ ).
تفسير القرآن الكريم
محمد بن صالح بن محمد عثيمين المقبل الوهيبي التميمي