ﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦ

كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ يا معشر قريش خاطبهم والناس تبع لهم لقوله تعالى لإبراهيم : إني جاعلك للناس إماما قال ولقوله صلى الله عليه وسلم :«الناس تبع لقريش »*متعلق بأتم يعني لأتم نعمتي إتماما كما أتممتها بإرسال رسول منكم، قال محمد بن جرير : دعا إبراهيم دعوتين أحدهما : واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك والثانية وابعث فيهم رسولا منهم فمعنى الآية أجيب دعوة إبراهيم فيكم بأن أهديكم لدينه وأجعلكم مسلمين وأتم نعمتي عليكم كما أجبت دعوته حيث أرسلت فيكم رسولا، أو هو متعلق بما بعده أي كما ذكرتكم بالإرسال فيكم اذكروني أذكركم، وبهذا يتضح أن ذكر العبد له تعالى محفوف بذكرين منه تعالى إياه ذكر سابق بالتوفيق وذكر لاحق بالإثابة رسولا منكم محمدا صلى الله عليه وسلم رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ يعني ظاهرهما وقد مر شرحه في دعاء إبراهيم عليه السلام قدم التزكية ههنا باعتبار القصد وأخره هناك باعتبار الفعل وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ تكرار الفعل يدل على أن هذا التعليم من جنس آخر ولعل المراد به العلم اللدني المأخوذ من بطون القرآن ومن مشكاة صدر النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا سبيل إلى دركه إلا الانعكاس وأما درك دركه فبعيد عن القياس، قال رئيس الصديقينك العجز عن درك الإدراك إدراك، عن حنظلة بن الربيع الأسيدي قال :«لقيني أبو بكر رضي الله عنه فقال كيف أنت يا حنظلة ؟ قلت نافق حنظلة، قال سبحان الله ما تقول ؟ قلت نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالنار والجنة كأنها رأي عين فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة »*ثلاث مرات رواه مسلم. وعن أبي هريرة قال : حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائين فأما أحدهما فبثثته فيكم وأما الآخر فبثثته في هذا البلعوم يعني مجرى الطعام. رواه البخاري، قيل المراد من الوعاء الذي لم يبثثه الأحاديث التي بين فيها أسماء أمراء الجور كقوله : أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان مشيرا إلى إمارة يزيد بن معاوية، قلت : إطلاق الوعاء على علم بجزئيات معدودة غير مستحسن ولا يتصور جعله قسيما ونظيرا لعلوم الشريعة بل المراد به العلم اللذني، فإن قيل فما معنى قوله فلو بثثته لقطع هذا البلعوم، قلت : معناه أنه لو بثثته باللسان لقطع هذا البلعوم لأن تلك العلوم والمعارف لا يمكن تعليمها ولا تعلمها بلسان المقال بل إنما تدرك بالانعكاس ولسان الحال، كيف والتعلم باللسان يتوقف على أمور منها كون المعلوم مما يدرك بالعلم الحصولي ومنها كون اللفظ موضوعا بإزائه، ومنها كون الوضع معلوما للسامع وليس شيء منها متحققا في المعارف المدنية، فإن إدراكها تكون بالعلم الحضوري الذي لا يمكن ذهولها، بل سبيل ذلك وراء العلم الحصولي والحضوري وإني هناك وضع الألفاظ وهيهات هيهات للسامعين العلم بوضعها، ومن أراد أن ينطق بتلك المعارف فلا بد له من إيراد مجازات واستعارات لا يهتدي إلى مرامها العوام فيتخبط به عقولهم ويفهمون غير مراد المتكلم فيفسقونه ويكفورنه كما ترى العوام ينكرون على أولياء الله تعالى من غير سبيل إلى درك مرادهم وذلك يفضي إلى قطع البلعوم. فإن قيل إذا كان ذلك العلم بحيث لا يمكن أخذه ولا إعطاؤه بالبيان ويفضي إلى تلك المفسدة وقطع البلعوم فأي ضرورة في التكلم بها، وما بال القوم يصنفون فيها مجلدات كالفصوص والفتوحات وأي فائدة في تلك التصنيفات ؟ قلت : ليس الفرض من تلك التصنيفات إعطاء تلك العلوم بالجذب والسلوك على بعض تفاصيلها، وتطبيق أحوال المرتدين ومواجيدهم على أحوال الأكابر ومواجيدهم كي يظهر صحة أحوالهم وتطمئن به قلوبهم، وكثيرا ما يتكلمون بتلك المعارف في غلبة الحال، فالطريق السوي للعوام عند مطالعة كتبهم وسماع كلامهم عدم الإنكار وحمله على ظاهر الشريعة مهما أمكن بالتأويلات فإن كلامهم رموز وإشارات أو تفويض علمه إلى علام الغيوب كما هو شأن المتشابهات فإن في كلامهم مجازات واستعارات مصروفة عن الظاهر وليس شيء منها مخالفا للشرع بل هي لب الكتاب والسنة رزقنا الله سبحانه بفضله ومنة.

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير