ثم ذكر الحق تعالى نعمة الواسطة، فقال :
كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ
قلت : كما متعلق بأتم، أي : ولأتم نعمتي عليكم في شأن القبلة كما أتممتها عليكم بإرسال الرسول. أو باذكروني، أي : كما ذكرناكم بالإرسال، فاذكروني بالمقال والحال. وقدم هنا التزكية على التعليم، باعتبار القصد ؛ لأن القصد من الإرسال والتعليم هو التطهير، وأخره في دعوة إبراهيم باعتبار الفعل، لأن الإرسال والتعليم مقدم على التطهير، وأعاد العامل في قوله : ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون إيذاناً بأنه جنس آخر شرفاً له.
يقول الحقّ جلّ جلاله : يا عبادي اذكروا برّي وإحساني، فقد أتممت عليكم نعمتي وآلائي بإسعافكم في تحويل القبلة، كما أتممتها عليكم بأعظم النعم وأجلها، وهو إرسال من يعلمكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا الموصلة إلى حضرتنا، ويطهركم من المساوئ والعيوب، ويعلمكم الكتاب المشتمل على علم الغيوب ودواء القلوب، ويعلمكم الحكمة وهي الشريعة المطهرة والسنّة النبوية، ويعلمكم علوماً غيبية لم يكن لكم بها علم ولا معرفة.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي