ﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦ

ابتداء من هذا الجزء في سورة البقرة نجد التركيز على إعداد الجماعة المسلمة لحمل الأمانة الكبرى - أمانة العقيدة، وأمانة الخلافة في الأرض باسم هذه العقيدة - وإن نكن ما نزال نلتقي بين الحين والحين بالجدل مع أعداء هذه الجماعة المناهضين لها - وفي مقدمتهم بنو إسرائيل - ومواجهة دسائسهم وكيدهم وحربهم للعقيدة في أصولها، وللجماعة المسلمة في وجودها. كما نلتقي بالتوجيهات الإلهية للجماعة المسلمة لمواجهة الحرب المتعددة الأساليب التي يشنها عليها خصومها ؛ وللحذر كذلك من مزالق الطريق التي وقع فيها بنو إسرائيل قبلها.
فأما المادة الأساسية لهذا الجزء، ولبقية السورة، فهي إعطاء الجماعة المسلمة خصائص الأمة المستخلفة، وشخصيتها المستقلة. المستقلة بقبلتها ؛ وبشرائعها المصدقة لشرائع الديانات السماوية قبلها والمهيمنة عليها ؛ وبمنهجها الجامع الشامل المتميز كذلك.. وقبل كل شيء بتصورها الخاص للوجود والحياة، ولحقيقة ارتباطها بربها، ولوظيفتها في الأرض ؛ وما تقتضيه هذه الوظيفة من تكاليف في النفس والمال، وفي الشعور والسلوك، ومن بذل وتضحية، وتهيؤ للطاعة المطلقة للقيادة الإلهية، الممثلة في تعليمات القرآن الكريم، وتوجيهات النبي [ ص ] وتلقي ذلك كله بالاستسلام والرضى، وبالثقة واليقين.
ومن ثم نجد حديثا عن تحويل القبلة، يتبين منه أنه يراد بهذه الأمة أن تكون أمة وسطا، أهلها شهداء على الناس والرسول عليهم شهيد ؛ فلها على الناس في الأرض قيادة وهيمنة، وإشراف وتوجيه. ونجد دعوة لهذه الأمة إلى الصبر على تكاليف هذه الوظيفة الملقاة على عاتقها، وهذا الواجب الذي ستضطلع به للبشرية جميعا ؛ واحتمال ما سيكلفها في الأنفس والأموال، والرضى بقدر الله ورد الأمور كلها إليه على كل حال.
ثم نجد بيانا وجلاء لبعض قواعد التصور الإيماني، حيث يقرر أن البر هو التقوى والعمل الصالح لا تقليب الوجوه قبل المشرق والمغرب.. وذلك ردا على ما يقوم به اليهود من بلبلة، ومن كتمان وتلبيس للحقائق، وجدال ومراء فيما يعلمون أنه الحق.. ومعظم الحديث في هذا القطاع يتعلق بتحويل القبلة، وما ثار حوله من ملابسات وأقاويل.
ثم يأخذ السياق في تقرير النظم العملية والشعائر التعبدية - وهما العنصران اللذان تقوم عليهما حياة هذه الأمة - وتنظيم مجتمعها ليواجه المهام الملقاة على عاتقها، فنجد شريعة القصاص وأحكام الوصية، وفريضة الصيام، وأحكام القتال في الأشهر الحرام وفي المسجد الحرام، وفريضة الحج، وأحكام الخمر والميسر، ودستور الأسرة.. مشدودة كلها برباط العقيدة والصلة بالله. كذلك نجد في نهاية هذا الجزء بمناسبة الحديث عن الجهاد بالنفس والمال، قصة من حياة بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم : ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله.. فيها عبر كثيرة وتوجيهات موحية بالنسبة للجماعة المسلمة الوارثة لتراث الرسالات قبلها، ولتجارب الأمم في هذا التراث.
ومن مراجعة هذا الجزء - بالإضافة إلى الجزء الأول من السورة - ندرك طبيعة المعركة التي كان يخوضها القرآن ؛ وطبيعة الغاية التي كان يستهدفها في بناء الأمة المسلمة. وهي معركة ضخمة مع الدسائس والفتن والألاعيب والبلبلة والتلبيس والكذب ؛ ومع الضعف البشري، ومداخل الفتنة ومسارب الغواية في النفس البشرية على السواء. وهي كذلك معركة للبناء والتوجيه وإنشاء التصور الصحيح الذي يمكن أن تقوم عليه الأمة المستخلفة في الأرض، التي تتولى القيادة الرشيدة للبشرية جميعا.
أما الإعجاز القرآني فيتجلى في أن هذه التوجيهات وهذه الأسس التي جاء بها القرآن لكي ينشيء الجماعة المسلمة الأولى، هي هي ما تزال التوجيهات والأسس الضرورية لقيام الجماعة المسلمة في كل زمان ومكان ؛ وأن المعركة التي خاضها القرآن ضد أعدائها هي ذاتها المعركة التي يمكن أن يخوضها في كل زمان ومكان. لا بل إن أعداءها التقليديين الذين كان يواجههم القرآن ويواجه دسائسهم وكيدهم ومكرهم، هم هم، ووسائلهم هي هي، تتغير أشكالها بتغير الملابسات، وتبقى حقيقتها وطبيعتها ؛ وتحتاج الأمة المسلمة، في كفاحها وتوقيها إلى توجيهات هذا القرآن حاجة الجماعة المسلمة الأولى. كما تحتاج في بناء تصورها الصحيح وإدراك موقفها ومن الكون والناس إلى ذات النصوص وذات التوجيهات ؛ وتجد فيها معالم طريقها واضحة، كما لا تجدها في أي مصدر آخر من مصادر المعرفة والتوجيه. ويظل القرآن كتاب هذه الأمة العامل في حياتها، وقائدها الحقيقي في طريقها الواقعي، ودستورها الشامل الكامل، الذي تستمد منه منهج الحياة، ونظام المجتمع، وقواعد التعامل الدولي والسلوك الأخلاقي والعملي.
وهذا هو الإعجاز...
واستطرادا مع هذا الغرض نرى السياق يستطرد في تذكير المسلمين بنعمة الله عليهم، بإرسال هذا النبي منهم إليهم، استجابة لدعوة أبيهم إبراهيم، سادن المسجد الحرام قبلة المسلمين ؛ ويربطهم - سبحانه - به مباشرة في نهاية الحديث :
( كما أرسلنا فيكم رسولا منكم، يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم، ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون. فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون )..
والذي يلفت النظر هنا، أن الآية تعيد بالنص دعوة إبراهيم التي سبقت في السورة، وهو يرفع القواعد من البيت هو وإسماعيل. دعوته أن يبعث الله في بنيه من جيرة البيت، رسولا منهم، يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم.. ليذكر المسلمين أن بعثة هذا الرسول فيهم، ووجودهم هم أنفسهم مسلمين، هو الاستجابة المباشرة الكاملة لدعوة أبيهم إبراهيم. وفي هذا ما فيه من إيحاء عميق بأن أمرهم ليس مستحدثا إنما هو قديم ؛ وأن قبلتهم ليست طارئة إنما هي قبلة أبيهم إبراهيم، وأن نعمة الله عليهم سابغة فهي نعمة الله التي وعدها خليله وعاهده عليها منذ ذلك التاريخ البعيد.
إن نعمة توجيهكم إلى قبلتكم، وتمييزكم بشخصيتكم هي إحدى الآلاء المطردة فيكم، سبقتها نعمة إرسال رسول منكم :
( كما أرسلنا فيكم رسولا منكم )..
فهو التكريم والفضل أن تكون الرسالة فيكم، وأن يختار الرسول الأخير منكم، وقد كانت يهود تستفتح به عليكم !
( يتلو عليكم آياتنا )..
فما يتلو عليكم هو الحق.. والإيحاء الآخر هو الإشعار بعظمة التفضل في أن يخاطب الله العبيد بكلامه يتلوه عليهم رسوله. وهو تفضل يرتعش القلب إزاءه حين يتعمق حقيقته. فمن هم هؤلاء الناس ؟ من هم وما هم ؟ حتى يخاطبهم الله سبحانه بكلماته، ويتحدث إليهم بقوله، ويمنحهم هذه الرعاية الجليلة ؟ من هم وما هم لولا أن الله يتفضل ؟ ولولا أن فضل الله يفيض ؟ ولولا أنه - سبحانه - منذ البدء منحهم فضل النفخة من روحه ليكون فيهم ما يستأهل هذا الإنعام، وما يستقبل هذا الإفضال ؟
( ويزكيكم )..
ولولا الله ما زكي منهم من أحد، ولا تطهر ولا ارتفع. ولكنه أرسل رسوله [ ص ]يطهرهم. يطهر أرواحهم من لوثة الشرك ودنس الجاهلية، ورجس التصورات التي تثقل الروح الإنساني وتطمره. ويطهرهم من لوثة الشهوات والنزوات فلا ترتكس أرواحهم في الحمأة. والذين لا يطهر الإسلام أرواحهم في جنبات الأرض كلها قديما وحديثا يرتكسون في مستنقع آسن وبيء من الشهوات والنزوات تزري بإنسانية الإنسان، وترفع فوقه الحيوان المحكوم بالفطرة، وهي أنظف كثيرا مما يهبط إليه الناس بدون الإيمان ! ويطهر مجتمعهم من الربا والسحت والغش والسلب والنهب.. وهي كلها دنس يلوث الأرواح والمشاعر، ويلطخ المجتمع والحياة. ويطهر حياتهم من الظلم والبغي. وينشر العدل النظيف الصريح، الذي لم تستمتع به البشرية كما استمتعت في ظل الإسلام وحكم الإسلام ومنهج الإسلام. ويطهرهم من سائر اللوثات التي تلطخ وجه الجاهلية في كل مكان من حولهم، وفي كل مجتمع لا يزكيه الإسلام بروحه ومنهجه النظيف الطهور..
( ويعلمكم الكتاب والحكمة )..
وفيها شمول لما سبق من تلاوة الآيات وهي الكتاب ؛ وبيان للمادة الأصيلة فيه، وهي الحكمة، والحكمة ثمرة التعليم بهذا الكتاب ؛ وهي ملكة يتأتى معها وضع الأمور في مواضعها الصحيحة، ووزن الأمور بموازينها الصحيحة، وإدراك غايات الأوامر والتوجيهات.. وكذلك تحققت هذه الثمرة ناضجة لمن رباهم رسول الله [ ص ] وزكاهم بآيات الله.
( ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون )..
وكان ذلك حقا في واقع الجماعة المسلمة، فقد التقطها الإسلام من البيئة العربية لا تعلم إلا أشياء قليلة متناثرة، تصلح لحياة القبيلة في الصحراء، أو في تلك المدن الصغيرة المنعزلة في باطن الصحراء. فجعل منها أمة تقود البشرية قيادة حكيمة راشدة، خبيرة بصيرة عالمة.. وكان هذا القرآن - مع توجيهات الرسول المستمدة كذلك من القرآن - هو مادة التوجيه والتعليم. وكان مسجد رسول الله [ ص ] الذي يتلى فيه القرآن والتوجيهات المستمدة من القرآن - هو الجامعة الكبرى التي تخرج فيها ذلك الجيل الذي قاد البشرية تلك القيادة الحكيمة الراشدة : القيادة التي لم تعرف لها البشرية نظيرا من قبل ولا من بعد في تاريخ البشرية الطويل.
وما يزال هذا المنهج الذي خرج ذلك الجيل وتلك القيادة على استعداد لتخريج أجيال وقيادات على مدار الزمان، لو رجعت الأمة المسلمة إلى هذا المعين، ولو آمنت حقا بهذا القرآن، ولو جعلته منهجا للحياة لا كلمات تغنى باللسان لتطريب الأذان !

في ظلال القرآن

عرض الكتاب
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير