ﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸ

خالدين فيها لا يخفّف عنهم العذاب ولا هم ينظرون ١٦٢
وساعة يأتي الحق في عذاب الكافرين ويتكلم عن النار عذابا وعن الزمان خلودا ثم يصعّد الخلود بالأبدية، فنحن نعرف بذلك أن هناك عذاباً في النار، وخلوداً فيها، وأبدية. ولأن رحمة الله سبقت غضبه في التقنين العذابي، لم يذكر الخلود في النار أبداً إلا في سورة الجن قال :
ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً ( من الآية ٢٣ سورة الجن ).
ومادام فيه مقيد، فإن كل مطلق من التأبيد يحمل عليه، وكون الحق لم يأت بكلمة ( أبداً ) عند ذكر العذاب، فهذا دليل على أن رحمته سبقت غضبه حتى في تقنين العذاب، وهناك إشكال يرد في سطحية الفهم فحين يقول الحق :
يوم يأت لا تكلّم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد ١٠٥ فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق ١٠٦ خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعّال لما يريد ١٠٧ وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذٍ ١٠٨ ( سورة هود ).
فإن الحق يتحدث عن يوم الحشر، وعن البشر شقيّهم وسعيدهم، فالذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق، ولنا أن نتخيل صورة التنفس داخل النار وسط جوها المكفهر باللهب. إن الإنسان يتنفس ليستروح بالهواء ؛ فكيف يأخذه من النار ؟. إن في ذلك عذاباً عظيماً. وأهل النار خالدون فيها مادامت السماوات والأرض.
ويتساءل السطحيون ( إن الله يضع الذين شقوا في النار مادامت السماوات والأرض، ويقول القول نفسه عن الذين سعدوا بالجنة ) ونقول لهم : السماوات والأرض الآن ؛ تختلف عن السماوات والأرض في الآخرة، إن السماوات والأرض في الدنيا هي أسباب ومعاش، أما في الآخرة فنحن لا نأكل بالأسباب، إنما بالمسبب، نحن نحيا في الآخرة بكلمة ( كن )، ولا نعيش بأسباب الحرث والزرع والمطر. إن الحق يبدل السماوات والأرض في اليوم الآخر، واقرأ إن شئت قول الحق : يوم تبدّل الأرض غير الأرض والسماوات ( من الآية ٤٨ سورة إبراهيم ).
ومن هذا القول نفهم أن المقصود هو السماوات والأرض المبدلة. ونلحظ أن الحق جاء في أمر خلود الأشقياء بالمشيئة فقال :( إلا ما شاء ربك )، فكأن خلود الأشقاء في النار تنقضه وتضع نهاية له مشيئة الله ؛ لأن الأشقياء ليسوا هم الكفار فحسب، بل منهم بعض المؤمنين العصاة، وهؤلاء المؤمنون العصاة الأشقياء سيدخلون النار ويأخذون جزاءهم، لكن بعد أخذ الجزاء يخرجون، إذن، فسينتهي الخلود من آخر الزمن، فيكون المعنى :( إلا ما شاء ربك ) أن يستمروا في النار إلى وقت محدد.
أما بالنسبة للجنة. فالاستثناء يكون من البدء، لماذا ؟ لأن المؤمن الذي عصى الله لن يدخل الجنة من البداية، وإنما سيقضي فترة في النار ثم يدخل الجنة، إذن فالخلود في الجنة بالنسبة له قد نقص من أوليته. أما الشقي فالخلود في النار نقص من آخريته، إذن ( إلا ما شاء ربك ) ؛ تعني أن المؤمن العاصي لن يدخل الجنة من بدء الآخرة. إذن :( إلا ) هنا جاء لاستثناء الزمن من أوله بالنسبة للسعداء، أو استثناء الزمن من آخره بالنسبة للعصاة الأشقياء، ولذلك لا تجد تناقضا، ذلك التناقض الذي تصنعه سطحية الفهم.
أما قوله الحق :( لا يخفّف عنهم العذاب ) فهو أن الإنسان عندما يعذب بشيء فإن تكرار العذاب عليه ربما يجعله يألف العذاب، لكن الواقع يقول : إن العذاب يشتد عليه، فالتخفيف لا علاقة له بالزمن، وقوله الحق :( ولا هم ينظرون ) نعرف منه أن الإنظار هو الإمهال، والمعنى أنهم لا يؤخّرون عن عذابهم ؛ أو لا ينظرون بمعنى لا ينظر إليهم. وهناك آية تفيد هذا المعنى في قوله تعالى :
ولا يكلّمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكّيهم ( من الآية ٧٧ سورة آل عمران ).
لأن النظر يعطي شيئا من الحنان، ولماذا قال : لا ينظرون ؟. لأنك قد تتجه ناحيته فتنظره دون قصد، بتلقائية. ولكن النظرة لا تتجه عطفا عليه، وهو سبحانه لا ينظر إليهم أساسا، لأن النظرة قد توحي بلون من الشفقة، بذلك تكون لا ينظرون ؛ أي لا ينظر إليهم أبداً، فكأنهم أهملوا إهمالا تاماً.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير