ولما حذَّر الحقّ تعالى من الشرك الجلي والخفي، حذَّر من متابعة المشركين في التحريم والتحليل بلا حكم شرعي فقال :
يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّواءِ وَالْفَحْشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ
قلت : حلالاًّ حال، أو مفعول به، و طيباً نعت له، و الخُطُوات جمع خطوة، وهي بالفتح - مصدر خطَا يَخْطُوا، وبالضم - اسم لمسافة ما بين القدمين، ويُكَسَّر على خطاً، ويُصَحَّح على خطوات، مثلث الطاء، أعني : الضم على الإتباع، كغرفات وقربات، قال ابن مالك :
والسَّالمَ العَيْنِ الثُّلاثي اسْما أَنِلْ *** إتْبَاعَ عَيْنٍ فَاءَهُ بما شُكِلُ
والسكون على الأصل في المفرد، والفتح تخفيفاً، قال في الألفية :
وسكَّنِ التالِيَ غيرَ الفتحِ أوْ *** خفِّفْهُ بالفَتْحِ فكُلاَّ قدْ رَوَوُا
وقرئ في المتواتر بالضم والإسكان، وفي الشاذِّ بالفتح.
قال الخليل :( خطوات الشيطان، آثاره وطرقه، يقول : لا تقتدوا به ). ه. وأصل السوء : كل ما يَسُوء صاحبه ويُحزنه. والفحشاء : ما قبحُ من القول والفعل، مصدر فحش كالبأساء والضراء واللأوَاء.
يقول الحقّ جلّ جلاله : يا أيها الناس كلوا من جميع ما خلقنا لكم في الأرض من نباتها مما يُستطاب أكله، وحيواناتها إلا ما حرمناه عليكم، حالة كون ذلك حلالاً قد انحلَّت عنه التبِعَات، وزالت عنه الشبهات، طيباً مُستلَذاً يستلِذُّه الطبع، ويستحسنه الشرع، ولا تتبعوا طرق الشيطان فتُحَرِّموا برأيكم ما أحلَّ الله لكم، كالبَحِيرة والسائبة والوَصِيلة والحام، وبعض الحرث الذي جعلتموه للأصنام، فإن ذلك من تزيين الشيطان، وهو لكم عدو مبين .
الخَلْقُ نَوَّارٌ *** وأنا رَعَيْتُ فيهمُ
هُمُ الحجابُ الأكبَرُ *** والمَدخَلُ فِيهم
وقال الششتري رضي الله عنه :
عَينُ الزِّحامِ هُوَ *** المَسِيرُ لِحَيّنَا
وكان شيخُ شيوخنا سيدي علي رضي الله عنه يقول :( مَن أراد أن يذوق فليذهب إلى السوق ). وذلك لأنه مظنة الزحام، وفيه عند الأقوياء الربح التام، فيقال لهم : يا أيها الناس الكاملون في الإنسانية ؛ كلوا مما في الأرض بأرواحكم وأسراركم، شهوداً واعتباراً، حلالاً طيّباً، ولا تتبعوا خطوات الشيطان، فتقفوا مع ظواهر الأكوان، فتُحجبوا عن الشهود والعيان، فإنه لكم في صورة العدو المبين، لكنه في الحقيقة يحشوكم إلى الرسوخ والتمكين، لأنه كلما حرككم بنزغه فزعتم إلى ربكم في دفعه، حتى يمكنكم من حضرته، فإنما يأمركم بما يسوء وجوهكم ويغُم قلوبكم، من مفارقة شهود الأحباب، والوقوف مِنْ وراء الباب، وأن تقولوا على الله ما ليس بحق ولا صواب، كثبوت السَّوي، أو الالتفات إلى الهوى. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي