وأمامي الآن في هذا الربع من القرآن آيات كريمة، صيغتها أكبر وأخطر من كل إنذار تعارف عليه الناس، وجهها الحق سبحانه وتعالى إلى كل من علم علما فكتمه، أو استغل علمه في سبيل منفعة شخصية تعود على مقتضى علمه بالنقض والإبطال، أو وجه علمه وجهة الشر والأذى، أو خان بعلمه الأمانة، أو غش بعلمه الأمة، بحيث يندرج تحت هذه الآيات كل استعمال للعلم في غير وجهه، وكل كتمان له حتى لا يستعمل في وجهه، وذلك قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَنَا مِنَ البَيَّنَاتِ وَالهُدى مِن بَعدِ ما بَيَّنَاهُ لِلنَّاسِ في الكِتَابِ أولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلعَنُهُمُ اللَّعِنُونَ( ١٥٩ ) . وقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ .
وقد كان لهذه الآيات بما تضمنته من وعيد وإنذار، أبلغ أثر في دفع علماء الإسلام من السلف والخلف إلى نشر العلم وروايته، مهما كلف من المشاق والمتاعب، وإلى الجهر بالحق ونصرته مهما اقتضى من التضحيات والمكاره، وبآية : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَنَا مِنَ البَيَّنَاتِ وَالهُدى . استشهد عثمان بن عفان عندما قال :( لأحدثنكم حديثا لولا آية من كتاب الله عز وجل ما حدثتكموه ) وإليها استند أبو هريرة إذ قال :( إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة، ووالله لولا آية في كتاب الله ما حدثت شيئا ).
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري