قُلْنَا: لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، فَهُوَ كَمَنِ اشْتَرَى ثَوْبًا بِعَبْدٍ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَائِعٌ، وكل واحد منهما مشتر، فكذا هاهنا وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى تَرْكِ الظَّاهِرِ وَإِلَى حَمْلِ لَفْظِ الشِّرَاءِ عَلَى الْبَيْعِ.
إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: يَدْخُلُ تَحْتَ هَذَا كُلُّ مَشَقَّةٍ يَتَحَمَّلُهَا الْإِنْسَانُ فِي طَلَبِ الدِّينِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمُجَاهِدُ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْبَاذِلُ مُهْجَتَهُ الصَّابِرُ عَلَى الْقَتْلِ، كَمَا فَعَلَهُ أَبُو عَمَّارٍ وَأُمُّهُ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْآبِقُ مِنَ الْكُفَّارِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْمُشْتَرِي نَفْسَهُ مِنَ الْكُفَّارِ بِمَالِهِ كَمَا فَعَلَ صُهَيْبٌ، وَيَدْخُلُ فِيهِ مَنْ يُظْهِرُ الدِّينَ وَالْحَقَّ عِنْدَ السُّلْطَانِ الْجَائِرِ.
وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بَعَثَ جَيْشًا فَحَاصَرُوا قَصْرًا فَتَقَدَّمَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَلْقَى بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، فَقَالَ عُمَرُ: كَذَبْتُمْ رَحِمَ اللَّهُ أَبَا فُلَانٍ، وَقَرَأَ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمَشَقَّةَ الَّتِي يَتَحَمَّلُهَا الْإِنْسَانُ لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ عَلَى وَفْقِ الشَّرْعِ حَتَّى يَدْخُلَ بِسَبَبِهِ تَحْتَ الْآيَةِ، فَأَمَّا لَوْ كَانَ عَلَى خِلَافِ الشَّرْعِ فَهُوَ غَيْرُ داخل فيه بل بعد ذَلِكَ مِنْ بَابِ إِلْقَاءِ النَّفْسِ فِي التَّهْلُكَةِ نَحْوَ مَا إِذَا خَافَ التَّلَفَ عِنْدَ الِاغْتِسَالِ مِنَ الْجَنَابَةِ فَفَعَلَ، قَالَ قَتَادَةُ: أَمَا وَاللَّهِ مَا هُمْ بِأَهْلِ حَرُورَاءَ الْمُرَّاقِ مِنَ الدِّينِ وَلَكِنَّهُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ لَمَّا رَأَوُا الْمُشْرِكِينَ يَدَّعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ قَاتَلُوا عَلَى دِينِ اللَّهِ وَشَرَوْا أَنْفُسَهُمْ غَضَبًا لِلَّهِ وَجِهَادًا في سبيله.
المسألة الثالثة: يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ أي لابتغاء مرضاة الله، ويَشْرِي بمعنى يشتري.
أما قوله تعالى: وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ فَمِنْ رَأْفَتِهِ أَنَّهُ جَعَلَ النَّعِيمَ الدَّائِمَ جَزَاءً عَلَى الْعَمَلِ الْقَلِيلِ الْمُنْقَطِعِ، وَمِنْ رَأْفَتِهِ جَوَّزَ لَهُمْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ إِبْقَاءً عَلَى النَّفْسِ، وَمِنْ رَأْفَتِهِ أَنَّهُ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَمِنْ رَأْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ أَنَّ الْمُصِرَّ عَلَى الْكُفْرِ مِائَةَ سَنَةٍ إِذَا تَابَ وَلَوْ فِي لَحْظَةٍ أَسْقَطَ كُلَّ ذَلِكَ الْعِقَابِ. / وَأَعْطَاهُ الثَّوَابَ الدَّائِمَ، وَمِنْ رَأْفَتِهِ أَنَّ النَّفْسَ لَهُ وَالْمَالَ، ثُمَّ إِنَّهُ يَشْتَرِي مُلْكَهُ بِمُلْكِهِ فَضْلًا مِنْهُ ورحمة وإحسانا.
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٠٨]
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)
اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا حَكَى عَنِ الْمُنَافِقِ أَنَّهُ يَسْعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ، أَمَرَ الْمُسْلِمِينَ بِمَا يُضَادُّ ذَلِكَ، وَهُوَ الْمُوَافَقَةُ فِي الْإِسْلَامِ وَفِي شرائعه، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَالْكِسَائِيُّ السِّلْمِ بِفَتْحِ السِّينِ، وَكَذَا فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ [الْأَنْفَالِ: ٦١] وَقَوْلِهِ: وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ [مُحَمَّدٍ: ٣٥] وَقَرَأَ عَاصِمٌ فِي رواية أبي بكر بن عياش السِّلْمِ بِكَسْرِ السِّينِ فِي الْكُلِّ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِكَسْرِ السِّينِ فِي هَذِهِ، وَالَّتِي فِي الْبَقَرَةِ، وَالَّتِي فِي سُورَةِ مُحَمَّدٍ فِي قَوْلِهِ: وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ بِكَسْرِ السِّينِ فِي هَذِهِ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ وَحْدَهَا وَبِفَتْحِ السِّينِ فِي الْأَنْفَالِ، وَفِي سُورَةِ مُحَمَّدٍ، فَذَهَبَ ذَاهِبُونَ إِلَى أَنَّهُمَا لُغَتَانِ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ، مِثْلَ: رَطْلٍ وَرِطْلٍ وَجَسْرٍ وَجِسْرٍ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ بِفَتْحِ السين واللام.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَصْلُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنَ الِانْقِيَادِ، قَالَ اللَّهِ تَعَالَى: إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ [الْبَقَرَةِ: ١٣١] وَالْإِسْلَامُ إِنَّمَا سُمِّيَ إِسْلَامًا لِهَذَا الْمَعْنَى، وَغَلُبَ اسْمُ السِّلْمِ عَلَى الصُّلْحِ وَتَرْكِ الْحَرْبِ، وَهَذَا أَيْضًا رَاجِعٌ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى لِأَنَّ عِنْدَ الصُّلْحِ يَنْقَادُ كُلُّ وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ وَلَا يُنَازِعُهُ فِيهِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَفِيهِ لُغَاتٌ ثَلَاثٌ: السِّلْمُ، وَالسَّلْمُ، وَالسَّلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي الْآيَةِ إِشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُفَسِّرِينَ حَمَلُوا السِّلْمَ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الْآيَةِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَالْإِيمَانُ هُوَ الْإِسْلَامُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ، وَلِأَجْلِ هَذَا السُّؤَالِ ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ وُجُوهًا فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ الْمُنَافِقُونَ، وَالتَّقْدِيرُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بِأَلْسِنَتِهِمُ ادْخُلُوا بِكُلِّيَّتِكُمْ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ، أَيْ آثَارَ تَزْيِينِهِ وَغُرُورِهِ فِي الْإِقَامَةِ عَلَى النِّفَاقِ، وَمَنْ قَالَ بِهَذَا التَّأْوِيلِ احْتَجَّ عَلَى صِحَّتِهِ بِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ إِنَّمَا وَرَدَتْ عَقِيبَ مَا مَضَى مِنْ ذِكْرِ الْمُنَافِقِينَ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ [البقرة: ٢٠٤] الْآيَةَ فَلَمَّا وَصَفَ الْمُنَافِقَ بِمَا ذَكَرَ دَعَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِلَى الْإِيمَانِ/ بِالْقَلْبِ وَتَرْكِ النِّفَاقِ.
وَثَانِيهَا: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي طَائِفَةٍ مِنْ مُسْلِمِي أَهْلِ الْكِتَابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَصْحَابِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ حِينَ آمَنُوا بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَقَامُوا بَعْدَهُ عَلَى تَعْظِيمِ شَرَائِعِ مُوسَى، فَعَظَّمُوا السَّبْتَ، وَكَرِهُوا لُحُومَ الْإِبِلِ وَأَلْبَانَهَا، وَكَانُوا يَقُولُونَ: تَرْكُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مُبَاحٌ فِي الْإِسْلَامِ، وَوَاجِبٌ فِي التَّوْرَاةِ، فَنَحْنُ نَتْرُكُهَا احْتِيَاطًا فَكَرِهَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ مِنْهُمْ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً، أَيْ فِي شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ كَافَّةً، وَلَا يَتَمَسَّكُوا بِشَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ اعْتِقَادًا لَهُ وَعَمَلًا بِهِ، لِأَنَّهَا صَارَتْ مَنْسُوخَةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ فِي التَّمَسُّكِ بِأَحْكَامِ التَّوْرَاةِ بَعْدَ أَنْ عَرَفْتُمْ أَنَّهَا صَارَتْ مَنْسُوخَةً، وَالْقَائِلُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ جَعَلُوا قَوْلَهُ: كَافَّةً من وصف المسلم، كَأَنَّهُ قِيلَ: ادْخُلُوا فِي جَمِيعِ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ اعْتِقَادًا وَعَمَلًا.
وَثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ هَذَا الْخِطَابُ وَاقِعًا عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بالنبي عليه السلام فقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَيْ بِالْكِتَابِ الْمُتَقَدِّمِ ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً أَيْ أَكْمِلُوا طَاعَتَكُمْ فِي الْإِيمَانِ وَذَلِكَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِجَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ وَكُتُبِهِ فَادْخُلُوا بِإِيمَانِكُمْ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَبِكِتَابِهِ فِي السِّلْمِ عَلَى التَّمَامِ، وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فِي تَحْسِينِهِ عِنْدَ الِاقْتِصَارِ عَلَى دِينِ التَّوْرَاةِ بِسَبَبِ أَنَّهُ دِينٌ اتَّفَقُوا كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّهُ حَقٌّ بِسَبَبِ أَنَّهُ جَاءَ فِي التَّوْرَاةِ: تَمَسَّكُوا بِالسَّبْتِ ما دامت السموات وَالْأَرْضُ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمُرَادُ مِنْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ الشُّبُهَاتُ الَّتِي يَتَمَسَّكُونَ بِهَا فِي بَقَاءِ تِلْكَ الشَّرِيعَةِ.
ورابعها: هذا الخطاب واقع على المسلمين يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بِالْأَلْسِنَةِ ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً أَيْ دُومُوا عَلَى الْإِسْلَامِ فِيمَا تَسْتَأْنِفُونَهُ مِنَ الْعُمُرِ وَلَا تَخْرُجُوا عَنْهُ وَلَا عَنْ شَيْءٍ مِنْ شَرَائِعِهِ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ، الشَّيْطانِ أَيْ وَلَا تَلْتَفِتُوا إِلَى الشُّبُهَاتِ الَّتِي تُلْقِيهَا إِلَيْكُمْ أَصْحَابُ الضَّلَالَةِ وَالْغَوَايَةِ وَمَنْ قَالَ بِهَذَا التَّأْوِيلِ قَالَ:
هَذَا الْوَجْهُ مُتَأَكَّدٌ بِمَا قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ وَبِمَا بَعْدَهَا، أَمَّا مَا قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ فَهُوَ مَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي صِفَةِ ذَلِكَ الْمُنَافِقِ فِي قَوْلِهِ: سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَمَا ذَكَرْنَا هُنَاكَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ إِلْقَاءُ الشُّبُهَاتِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: دُومُوا عَلَى إِسْلَامِكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا تِلْكَ الشُّبُهَاتِ الَّتِي يَذْكُرُهَا الْمُنَافِقُونَ، وَأَمَّا مَا بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ فَهُوَ
قَوْلُهُ تَعَالَى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ [الْبَقَرَةِ: ٢١٠] يَعْنِي هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ مُعَانِدُونَ مُصِرُّونَ عَلَى الْكُفْرِ قَدْ أُزِيحَتْ عِلَلُهُمْ وَهُمْ لَا يُوقِفُونَ قَوْلَهُمْ بِهَذَا الدِّينِ الْحَقِّ إِلَّا عَلَى أُمُورٍ بَاطِلَةٍ مِثْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظِلٍّ مِنَ الْغَمَامِ والملائكة.
فإن قيل: الموصوف بِالشَّيْءِ يُقَالُ لَهُ: دُمْ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لَا يُقَالُ لَهُ: ادْخُلْ فِيهِ وَالْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ هُوَ قَوْلُهُ:
ادْخُلُوا.
قُلْنَا إِنَّ الْكَائِنَ فِي الدَّارِ إِذَا عَلِمَ أَنَّ لَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ خُرُوجًا عَنْهَا فَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ أَنْ يُؤْمَرَ بِدُخُولِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ حَالًا بَعْدَ حَالٍ، وَإِنْ كَانَ كَائِنًا فِيهَا فِي الْحَالِ، لِأَنَّ حَالَ كَوْنِهِ فِيهَا غَيْرُ الْحَالَةِ الَّتِي أُمِرَ أَنْ/ يَدْخُلَهَا، فَإِذَا كَانَ فِي الْوَقْتِ الثَّانِي قَدْ يَخْرُجُ عَنْهَا صَحَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِدُخُولِهَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ يَخْرُجُونَ عَنْ خِصَالِ الْإِيمَانِ بِالنَّوْمِ وَالسَّهْوِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَحْوَالِ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَأْمُرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِالدُّخُولِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فِي الْإِسْلَامِ وَخَامِسُهَا: أَنْ يَكُونَ السِّلْمُ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ مَعْنَاهُ الصُّلْحُ وَتَرْكُ الْمُحَارَبَةِ وَالْمُنَازَعَةِ، وَالتَّقْدِيرُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً أَيْ كُونُوا مُوَافِقِينَ وَمُجْتَمِعِينَ فِي نُصْرَةِ الدِّينِ وَاحْتِمَالِ الْبَلْوَى فِيهِ، وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ بِأَنْ يَحْمِلَكُمْ عَلَى طَلَبِ الدُّنْيَا وَالْمُنَازَعَةِ مَعَ النَّاسِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ: وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال: ٤٦] وقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا [آلِ عِمْرَانَ: ٢٠٠] وَقَالَ: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا [آلِ عِمْرَانَ: ١٠٣]
وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «الْمُؤْمِنُ يَرْضَى لِأَخِيهِ مَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ»
وَهَذِهِ الْوُجُوهُ فِي التَّأْوِيلِ ذَكَرَهَا جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ وَعِنْدِي فِيهِ وُجُوهٌ أُخَرُ أحدها: أن قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِشَارَةٌ إِلَى الْمَعْرِفَةِ وَالتَّصْدِيقِ بِالْقَلْبِ وَقَوْلَهُ: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً إِشَارَةٌ إِلَى تَرْكِ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ مُخَالَفَةٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، فَيَصِحُّ أَنْ يُسَمَّى تَرْكُهَا بِالسِّلْمِ، أَوْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ:
كُونُوا مُنْقَادِينَ لِلَّهِ فِي الْإِتْيَانِ بِالطَّاعَاتِ، وَتَرْكِ الْمَحْظُورَاتِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ الْإِيمَانَ بَاقٍ مَعَ الِاشْتِغَالِ بِالْمَعَاصِي وَهَذَا تَأْوِيلٌ ظَاهِرٌ وَثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ السِّلْمِ كَوْنَ الْعَبْدِ رَاضِيًا وَلَمْ يَضْطَرِبْ قَلْبُهُ عَلَى مَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ «الرِّضَا بِالْقَضَاءِ بَابُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ» وَثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ تَرْكَ الِانْتِقَامِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً [الْفُرْقَانِ: ٧٢] وَفِي قَوْلِهِ: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [الأعراف:
١٩٩] فهذا هو كلام فِي وُجُوهِ تَأْوِيلَاتِ هَذِهِ الْآيَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَالَ الْقَفَّالُ كَافَّةً يَصِحُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْمَأْمُورِينَ بِالدُّخُولِ أَيِ ادْخُلُوا بِأَجْمَعِكُمْ فِي السِّلْمِ. وَلَا تَفَرَّقُوا وَلَا تَخْتَلِفُوا، قَالَ قُطْرُبٌ: تَقُولُ الْعَرَبُ: رَأَيْتُ الْقَوْمَ كَافَّةً وَكَافِّينَ وَرَأَيْتُ النِّسْوَةَ كَافَّاتٍ وَيَصْلُحُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْإِسْلَامِ أَيِ ادْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ كُلِّهِ أَيْ فِي كُلِّ شَرَائِعِهِ قَالَ الْوَاحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذَا أَلْيَقُ بِظَاهِرِ التَّفْسِيرِ لِأَنَّهُمْ أُمِرُوا بِالْقِيَامِ بِهَا كُلِّهَا، وَمَعْنَى الْكَافَّةِ فِي اللُّغَةِ الْحَاجِزَةُ الْمَانِعَةُ يُقَالُ: كَفَفْتُ فَلَانًا عَنِ السُّوءِ أَيْ مَنَعْتُهُ، وَيُقَالُ: كَفَّ الْقَمِيصَ لِأَنَّهُ مَنَعَ الثَّوَابَ عَنِ الِانْتِشَارِ، وَقِيلَ لِطَرَفِ الْيَدِ: كَفٌّ لِأَنَّهُ يُكَفُّ بِهَا عَنْ سَائِرِ الْبَدَنِ، وَرَجُلٌ مَكْفُوفٌ أَيْ كُفَّ بَصَرُهُ مِنْ أَنْ يُبْصِرَ، فَالْكَافَّةُ مَعْنَاهَا الْمَانِعَةُ، ثُمَّ صَارَتِ اسْمًا لِلْجُمْلَةِ الْجَامِعَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ يَمْنَعُ مِنَ التَّفَرُّقِ وَالشُّذُوذِ، فَقَوْلُهُ: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً أَيِ ادْخُلُوا فِي شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ إِلَى حَيْثُ يَنْتَهِي شَرَائِعُ الْإِسْلَامِ فَتَكُفُّوا مِنْ أَنْ تَتْرُكُوا شَيْئًا مِنْ شَرَائِعِهِ، أَوْ يَكُونَ الْمَعْنَى ادْخُلُوا كُلُّكُمْ حَتَّى تَمْنَعُوا وَاحِدًا مِنْ أَنْ لَا يَدْخُلَ فِيهِ.
مفاتيح الغيب
أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي