يأيها الناس خطاب لجميع الناس من أهل الخطاب عموما الموجودين ومن سيوجد تنزيلا لهم منزلة الموجودين لما تواتر من دينه صلى الله عليه وسلم أن مقتضى أحكامه وخطابه شامل للقبيلتين ثابت إلى يوم القيامة، وكذا كل جمع أو اسم جمع محلى باللام ويدل عليه استدلال الصحابة بعمومها شائعا، قال ابن عباس : يأيها الناس خطاب أهل مكة و يأيها الذين ءامنوا خطاب أهل المدينة فإن أهل مكة لما كان أكثرهم كفارا والمؤمنون كانوا هناك قليلا خاطب بما يعم القبيلتين، وأهل المدينة لما كان أكثرهم مؤمنون خاطبهم بعنوان الإيمان إظهارا لشرفهم.
اعبدوا ربكم فإن التربية باعثة للعبادة وشكر المنعم وإن كان الله تعالى في نفسه مستحقا لها، والخطاب بوجوب العبادة شامل للمؤمنين والكفار، فالكفار مأمورون بها بعد إتيان شرطه من الإيمان، وقال ابن عباس : ما ورد في القرآن من العبادة فمعناه التوحيد فالكفار مأمورون بإتيانها والمؤمنون بالثبات عليها.
الذي خلقكم صفة جرت للتعظيم والتعليل، والخلق إيجاد الشيء على غير مثال سبق،
والذين من قبلكم يتناول كل ما تقدم الإنسان، والجملة خرجت مخرج المقرر عندهم لاعترافهم به قال الله تعالى : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ١ أو لتمكنهم من العلم بأدنى تأمل.
لعلكم تتقون حال من فاعل اعبدوا أي : راجين الوقاية من عذاب الله، وحكم الله من ورائكم يفعل ما يشاء فإن الإيمان يقتضي الخوف والرجاء أو راجين أن تدخلوا في زمرة المتقين على أن التقوى هو التنزه عن المحرمات المستلزم لإتيان الواجبات بل التبرؤ عن كل شيء سوى الله تعالى، أو من مفعول خلقكم يعني مرجوا منكم التقوى أي في صورة من يرجى منه نظرا إلى كثرة الدواعي إليه، وقيل تعليل أي لكي تتقوا، قال البيضاوي : وهو ضعيف لم يثبت في اللغة، قال سيبويه : لعل وعسى حرفا ترج وهي من الله تعالى واجب، قلت : إن كان كذلك لزم وجود التقوى من الناس كلهم وليس كذلك اللهم إلا أن يقال المراد خلقكم واجبا صدور التقوى منكم ولو من بعضكم، وتعليل العبادة بالنعم السابقة تدعل على أن الثواب فضل من الله تعالى غير مستحق بالعبادة فإنه كالأجر استوفى أجره قبل عمله وعلى أن الطريق إلى معرفة الله تعالى النظر في صنعه يعني إلى معرفة صفاته، وإما معرفة ذاته فأمر وهبي.
التفسير المظهري
المظهري