ﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦ

ولما ذكر الحق من تخلق بالإيمان ظاهراً وباطناً، ومن تحلّى به كذلك، ومن أخفى الكفر وأظهر الإيمان، دعا الكل إلى توحيده وعبادته، فقال :
يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون ( ٢١ ) الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون ( ٢٢ ) .
قلت : جملة الترجي حال من الواو في اعبدوا أي : اعبدوا ربكم راجين أن تنخرطوا في سلك المتقين الفائزين بالهدي والفلاح، والمستوجبين جوار الله تعالى، نبه به على أن التقوى منتهى درجات السالكين ؛ وهو التبري من كل شيء سوى الله تعالى –إلى الله تعالى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : توجه الخطاب إلى العارفين الكاملين في الإنسانية الذين يعبدون الله تعظيما لحق الربوبية، وقياما بوظائف العبودية، وفيهم قال صحاب العينية١ :

هم الناس فالزم إن عرفت جنابهم ففيهم لضر العالمين منافع

وقال قبل ذلك :
هم القصد للملهوف والكنز والرجا ومنهم ينال الصب ما هو طامع
بهم يهتدي للعين من ضل في العمى بهم يجذب العشاق، والربع شاسع
هم القصد والمطلوب والسؤل والمنى واسمهم للصب في الحب شافع
فعبادة العارفين : بالله ومن الله وإلى الله، وعبادة الجاهلين : بأنفسهم ومن أنفسهم ولأنفسهم، عبادة العارفين حمد وشكر، وعبادة الغافلين اقتضاء حظ وأجر، عبادة العارفين قلبية باطنية وعبادة الغافلين حسية ظاهرية، يا أيها الناس المخصوصون بالأنس والقرب دوموا على عبادة القريب، ومشاهدة الحبيب، فقد رفعت بيني وبينكم الحجب والأستار، وأشهدتكم عجائب الألطاف والأسرار، أبرزتكم إلى الوجود، وأدخلتكم من باب الكرم والجود، ومنحتكم بفضلي غاية الشهود، لعلكم تتقون الإنكار والجحود، وتعرفونني في كل شاهد ومشهود.
فقد جعلت أرض نفوسكم مهادا لعلوم الشريعة، وسماء قلوبكم سقفا لأسرار الحقيقة، وأنزلت من سماء الملكوت ماء غيبيا تحيا به أرض النفوس، وتهتز بواردات حضرة القدوس، فتخرج من ثمرات العلوم اللدنية، والأسرار الربانية والأحوال المرضية، ما تتقوت به عائلة المستمعين، وتنتعش به أسرار السائرين، فلا تشهدوا معي غيري، ولا تميلوا لغير إحساني وبري، فقد علمتم أني منفرد بالوجود، ومختص بالكرم والجود، فكيف يرجى غيري وأنا ما قطعت الإحسان ؟ ! وكيف يلتفت إلى ما سواي وأنا بذلت عادة الامتنان ؟ ! مني كان الإيجاد وعلي دوام الإمداد، فثقوا بي كفيلا، واتخذوني وكيلا، أعطكم عطاء جزيلا، وأمنحكم فخرا جليلا.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير