)أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ) ( البقرة : ٢١٤ )
التفسير :
قوله تعالى : أم حسبتم ؛ أم من حروف العطف ؛ وهي هنا منقطعة بمعنى «بل » ؛ يقدر بعده همزة الاستفهام ؛ أي : بل أحسبتم ؛ فهي إذاً للإضراب الانتقالي ؛ وهو الانتقال من كلام إلى آخر ؛ و حسبتم بمعنى ظننتم ؛ وعلى هذا فتنصب المفعولين ؛ قال بعض النحويين : إن أنْ ، وما دخلت عليه تسد مسد المفعولين ؛ وقال آخرون : بل إن أنْ ، وما دخلت عليه تسد مسد المفعول الأول ؛ ويكون المفعول الثاني محذوفاً دل عليه السياق ؛ فإذا قلنا بالأول فالأمر واضح لا يحتاج إلى تقدير شيء آخر ؛ وإذا قلنا بالثاني يكون التقدير : أم حسبتم دخولكم الجنة حاصلاً...
والخطاب في قوله تعالى : أم حسبتم يعود على كل من يتوجه إليه الخطاب : إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى الصحابة، وإلى من بعدهم.
قوله تعالى : أن تدخلوا الجنة ؛ «الجنة » في اللغة : البستان كثير الأشجار ؛ وفي الشرع : هي الدار التي أعدها الله للمتقين فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
قوله تعالى : ولما يأتكم ؛ لما حرف نفي، وجزم، وقلب ؛ والفرق بينها وبين «لم » : أن «لما » للنفي مع توقع وقوع المنفي ؛ و «لم » للنفي دون ترقب وقوعه ؛ مثاله : إذا قلت :«لم يقم زيد » فقد نفيت قيامه من غير ترقب لوقوعه، ولو قلت :«لما يقم زيد » فقد نفيت قيامه مع ترقب وقوعه ؛ ومنه قوله تعالى : بل لما يذوقوا عذاب [ ص~ : ٨ ].
وقوله تعالى : مثل الذين خلوا من قبلكم أي صفة ما وقع لهم ؛ و«المثل » يكون بمعنى الصفة، مثل قوله تعالى : مثل الجنة التي وعد المتقون [ الرعد : ٣٥ ] أي صفتها كذا، وكذا ؛ ويكون بمعنى الشبه، كقوله تعالى : مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً [ البقرة : ١٧ ] أي شبههم كشبه الذي استوقد ناراً ؛ و خلوا بمعنى مضوا ؛ فإن قيل : ما فائدة قوله تعالى : من قبلكم إذا كانت خلوا بمعنى مضوا ؟ نقول : هذا من باب التوكيد ؛ والتوكيد قد يأتي بالمعنى مع اختلاف اللفظ، كما في قوله تعالى : ولا تعثوا في الأرض مفسدين [ البقرة : ٦٠ ] ؛ فإن الإفساد هو العثو ؛ ومع ذلك جاء حالاً من الواو ؛ فهو مؤكد لعامله.
ولما كانت مثل مبهمة بيَّنها الله تعالى بقوله تعالى : مستهم البأساء والضراء وزلزلوا ؛ و«المس » هو مباشرة الشيء ؛ تقول : مسسته بيدي، ومس ثوبه الأرض ؛ ف مستهم يعني أصابتهم إصابة مباشرة ؛ وهذه الجملة استئنافية لبيان المثل الذي ذكر في قوله تعالى : مثل الذين خلوا من قبلكم .
وقوله تعالى : مستهم البأساء والضراء وزلزلوا هذه ثلاثة أشياء ؛ البأساء : قالوا : إنها شدة الفقر مأخوذة من البؤس ؛ وهو الفقر الشديد ؛ و الضراء : قالوا : إنها المرض، والمصائب البدنية ؛ و زلزلوا :«الزلزلة » هنا ليست زلزلة الأرض ؛ لكنها زلزلة القلوب بالمخاوف، والقلق، والفتن العظيمة، والشبهات، والشهوات ؛ فتكون الإصابات هنا في ثلاثة مواضع : في المال ؛ والبدن ؛ والنفس.
قوله تعالى : حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ؛ في يقول قراءتان : النصب، والرفع ؛ أما على قراءة الرفع فعلى إلغاء حتى ؛ وأما على قراءة النصب فعلى إعمالها ؛ وهي لا تعمل إلا في المستقبل ؛ فإن قيل : ما وجه نصبها وهي حكاية عن شيء مضى ؟
فالجواب : ما قاله المعربون : أنه نصب على حكاية الحال ؛ وإذا قدرنا حكاية الحال الماضية صار يقول مستقبلاً بالنسبة لقوله تعالى : مستهم البأساء والضراء وزلزلوا ؛ و الرسول : المراد به الجنس - أي حتى يقول الرسول من هؤلاء الذين زلزلوا، ومستهم البأساء، والضراء - ؛ و معه المصاحبة هنا في القول، والإيمان - أي يقولون معه وهم مؤمنون به - ؛ متى نصر الله : الجملة مقول القول ؛ والاستفهام فيها للاستعجال - أي استعجال النصر - ؛ وليس للشك فيه.
قوله تعالى : ألا إن نصر الله قريب : يحتمل أن يكون هذا جواباً لقول الرسول، والذين آمنوا معه : متى نصر الله ؛ ويحتمل أن يكون جملة استئنافية يخبر الله بها خبراً مؤكداً بمؤكدين : ألا ؛ و إن ؛ وكلاهما صحيح.
الفوائد :
١ - من فوائد الآية : عناية الله عزّ وجلّ بهذه الأمة، حيث يسليها بما وقع بغيرها ؛ لقوله تعالى : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم... إلخ ؛ وهكذا كما جاء في القرآن جاء في السنة ؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم لما جاءه أصحابه يشكون إليه بمكة فأخبرهم :«قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل، فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه، وعظمه ؛ ما يصده ذلك عن دينه »(١) تثبيتاً للمؤمنين.
٢ - ومن فوائد الآية : إثبات الجنة.
٣ - ومنها : أن الإيمان ليس بالتمني، ولا بالتحلي ؛ بل لا بد من نية صالحة، وصبر على ما يناله المؤمن من أذًى في الله عزّ وجلّ.
٤ - ومنها : حكمة الله عزّ وجلّ، حيث يبتلي المؤمنين بمثل هذه المصائب العظيمة امتحاناً حتى يتبين الصادق من غيره، كما قال تعالى : ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم [ محمد : ٣١ ] ؛ فلا يُعرف زيف الذهب إلا إذا أذبناه بالنار ؛ ولا يُعرف طيب العود إلا إذا أحرقناه بالنار ؛ أيضاً لا يعرف المؤمن إلا بالابتلاء والامتحان ؛ فعليك يا أخي بالصبر ؛ قد تؤذى على دينك ؛ قد يستهزأ بك ؛ وربما تلاحَظ ؛ وربما تراقَب ؛ ولكن اصبر، واصدق، وانظر إلى ما حصل من أولي العزم من الرسل ؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم كان ساجداً لله في آمن بقعة على الأرض - وهو المسجد الحرام - ؛ فيأتي طغاة البشر بفرث الناقة، ودمها، وسلاها، يضعونها عليه وهو ساجد ؛ هذا أمر عظيم لا يصبر عليه إلا أولو العزم من الرسل ؛ ويبقى ساجداً حتى تأتي ابنته فاطمة وهي جويرية - أي صغيرة - تزيله عن ظهره فيبقى القوم يضحكون، ويقهقهون(٢) ؛ فاصبر، واحتسب ؛ واعلم أنه مهما كان الأمر من الإيذاء فإن غاية ذلك الموت ؛ وإذا مت على الصبر لله عزّ وجلّ انتقلت من دار إلى خير منها.
٥ - ومن فوائد الآية : أنه ينبغي للإنسان ألا يسأل النصر إلا من القادر عليه - وهو الله عزّ وجلّ - ؛ لقوله تعالى : متى نصر الله .
٦ - ومنها : أن المؤمنين بالرسل منهاجهم منهاج الرسل يقولون ما قالوا ؛ لقوله تعالى : حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ؛ يتفقون على هذه الكلمة استعجالاً للنصر.
٧ - ومنها : تمام قدرة الله عزّ وجلّ ؛ لقوله تعالى : ألا إن نصر الله قريب .
٨ - ومنها : حكمة الله، حيث يمنع النصر لفترة معينة من الزمن - مع أنه قريب -.
٩ - ومنها : أن الصبر على البلاء في ذات الله عزّ وجلّ من أسباب دخول الجنة ؛ لأن معنى الآية : اصبروا حتى تدخلوا الجنة.
١٠ - ومنها : تبشير المؤمنين بالنصر ليتقووا على الاستمرار في الجهاد ترقباً للنصر المبشرين به.
١١ - ومنها : الإشارة إلى ما جاء في الحديث الصحيح :«حفت الجنة بالمكاره »(٣) ؛ لأن هذه مكاره ؛ ولكنها هي الطريق إلى الجنة.
١٢ - ومنها : أنه لا وصول إلى الكمال إلا بعد تجرع كأس الصبر ؛ لقوله تعالى : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم... إلخ.
٢ أخرجه البخاري ص٢٢، كتاب الوضوء، باب ٦٩: إذا ألقي على ظهر المصلي قذر أو جيفة لم تفسد عليه صلاته، حديث رقم ٢٤٠، وأخرجه مسلم ص٩٩٧، كتاب الجهاد والسير، باب ٣٩: ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين، حديث رقم ٤٦٤٩ [١٠٧] ١٧٩٤..
٣ أخرجه مسلم ص١١٦٩، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب ١: صفة الجنة، حديث رقم ٧١٣٠ [١] ٢٨٢٢..
تفسير القرآن الكريم
محمد بن صالح بن محمد عثيمين المقبل الوهيبي التميمي