ولما كانت حياة الروح متوقفة على أمرين : بذل النفوس، ودفع الفلوس وقدم الإشارة إلى الأول بقوله : وقاتلوا في سبيل الله ، أشار إلى الثاني بقوله :
مَّثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ
قلت : مثل الذين : مبتدأ، و كمثل : خبر، ولا بد من حذف مضاف، إما من المبتدأ أو الخبر، أي : مثل نفقة الذين ينفقون كمثل حبة، أو مثل الذين ينفقون كمثل باذر حبة. . . الخ.
يقول الحقّ جلّ جلاله : في التحريض على النفقة في سبيل الله : مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله أي : يتصدقون بها في سبيل الله، كالجهاد ونحوه، كمثل زارع حبة أنبتت له سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ، فالمجموع سبعمائة. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم :" الحَسَنَة بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، إلى سَبعمائَة إلى أضْعَافٍ كَثيرَةٍ ". وإسناد الإنبات إلى الحبة مجاز، والمنبت هو الله، وهذا مثال لا يقتضي الوقوع، وقد يقع في الذرة والدخن١ في الأرض الطيبة، بحيث تخرج الحبة ساقاً يتشعب إلى سبع شعب، في كل شعبة سنبلة، والله يضاعف تلك المضاعفة لمن يشاء بفضله، على حسب حال المنفق من إخلاصه وتعبه، وبحسبه تتفاوت الأعمال في مقادير الثواب، والله واسع لا يضيق عليه ما يتفضل به من الثواب، عليم بنية المنفق وقدر إنفاقه.
وأما قوله عليه الصلاة والسلام :" تفكر ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة ". فإنما هو كناية عن الكثرة والمبالغة، كقوله تعالى : إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ هَمْ [ التّوبَة : ٨٠ ]. ومثله قول الشاعر :
أي : سَنَة. والله تعالى أعلم. كُلُّ وَقْتٍ من حبَيبِي قَدْرُه كألفِ حجَّهْ
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي