)مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) ( البقرة : ٢٦١ )
التفسير :
قوله تعالى : مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة ؛ يطلق المثل على الشبه ؛ ويطلق على الصفة ؛ فإن ذكر مماثل، فالمراد به الشبه ؛ وإلا فالمراد به الصفة ؛ ففي قوله تعالى : مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن... [ محمد : ١٥ ] المراد بالمثل الصفة ؛ لأنه لم يذكر المماثل ؛ أما إذا قيل :«مثَل هذا كمثَل هذا » فهذا يعني الشبه، كقوله تعالى : مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً... [ البقرة : ١٧ ]، وكما في هذه الآية : مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة فهذا المراد به الشبه ؛ يعني شبه هؤلاء كشبه هذا الشيء ؛ والذي يظهر من الآية أنه لا يوجد فيها مطابقة بين الممثل، والممثل به ؛ لأن «الممثل » هو العامل ؛ و«الممثل به » هو العمل ؛ فالحبة ليست بإزاء المنفِق ؛ لكنها بإزاء المنفَق ؛ والذي يكون بإزاء المنفِق زارعَ الحبة ؛ ولهذا قال بعض العلماء : إن الآية فيها تقدير : إما في المبتدأ ؛ وإما في الخبر : فإما أن يقدر : مثل عمل الذين ينفقون أموالهم كمثل حبة ؛ أو يقدر : مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل زارع حبة أنبتت سبع سنابل ؛ والحكمة من هذا الطيّ أن يكون المثل صالحاً للتمثيل بالعامل، والتمثيل بالعمل ؛ وهذا من بلاغة القرآن ؛ و «الإنفاق » معناه البذل ؛ و «أموال » جمع مال ؛ وهو كل ما يتموله الإنسان من أعيان، أو منافع ؛ الأعيان كالدراهم، والدنانير، والسيارات، والدور، وما أشبه ذلك ؛ والمنافع كمنافع العين المستأجرة ؛ فإن المستأجر مالك للمنفعة.
وقوله تعالى : في سبيل الله ؛ «سبيل » بمعنى طريق ؛ وسبيل الله سبحانه وتعالى هو شرعه ؛ لأنه يهدي إليه، ويوصل إليه ؛ قال الله تعالى : وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله [ الأنعام : ١٥٣ ] ؛ وأضيف إلى الله لسببين ؛ السبب الأول : أنه هو الذي وضعه لعباده، وشرعه لهم ؛ والسبب الثاني : أنه موصل إليه ؛ ويضاف «السبيل » أحياناً إلى سالك السبيل ؛ فيقال : سبيل المؤمنين، كما قال الله تعالى : ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين [ النساء : ١١٥ ] ؛ ولا تناقض بينهما ؛ لأنه يضاف إلى المؤمنين باعتبار أنهم هم الذين سلكوه ؛ وإلى الله باعتبار أنه الذي شرعه، وأنه موصل إليه.
قوله تعالى : كمثل حبة أنبتت سبع سنابل ؛ حبة بذرها إنسان، فأنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ؛ فتكون الجميع سبعمائة ؛ فالحسنة إذاً في الإنفاق في سبيل الله تكون بسبعمائة ؛ وهذا ليس حدّاً.
قوله تعالى : والله يضاعف لمن يشاء أي يزيد ثواباً لمن يشاء حسب ما تقتضيه حكمته.
قوله تعالى : والله واسع أي ذو سعة في جميع صفاته ؛ فهو واسع العلم، والقدرة، والرحمة، والمغفرة، وغير ذلك من صفاته ؛ فإنها صفات واسعة عظيمة عليا ؛ و عليم أي ذو علم - وهو واسع فيه - وعلمه شامل لكل شيء جملة، وتفصيلاً ؛ حاضراً، ومستقبلاً، وماضياً.
الفوائد :
١ - من فوائد الآية : ضرب الأمثال ؛ وهو تشبيه المعقول بالمحسوس ؛ لأن ذلك أقرب إلى الفهم.
٢ - ومنها : أن القرآن على غاية ما يكون من البلاغة، والفصاحة، لأن الفصاحة هي الإفصاح بالمعنى، وبيانه ؛ وضرب الأمثال من أشد ما يكون إفصاحاً، وبياناً : قال تعالى : وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون [ العنكبوت : ٤٣ ].
٣ - ومنها : فضيلة الإنفاق في سبيل الله ؛ لأنه ينمو للمنفق حتى تكون الحبة سبعمائة حبة.
٤ - ومنها : الإشارة إلى الإخلاص لله في العمل ؛ لقوله تعالى : في سبيل الله بأن يقصدوا بذلك وجه الله عز وجل.
٥ - ومنها : الإشارة إلى موافقة الشرع ؛ لقوله تعالى : في سبيل الله ؛ لأن في للظرفية ؛ والسبيل بمعنى الطريق ؛ وطريق الله : شرعه ؛ والمعنى : أن هذا الإنفاق لا يخرج عن شريعة الله ؛ والإنفاق الذي يكون موافقاً للشرع هو ما ذكره بقوله تعالى : والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً [ الفرقان : ٦٧ ].
ومعنى إنفاقهم في شرع الله أن يكون ذلك إخلاصاً لله، واتباعاً لشرعه ؛ فمن نوى بإنفاقه غير الله فليس في سبيل الله ؛ مثل «المرائي » : رجل أنفق في الجهاد، أو أنفق في الصدقة على المساكين ؛ لكنه أنفق ليقال : إن فلاناً جواد ؛ أو أنه كريم ؛ هذا ليس في سبيل الله، لأنه مراء ؛ لم يقصد وجه الله عز وجل ؛ إذاً لم يرد السبيل الذي يوصل إلى الله ؛ ولا يهمه أن يقبل الله منه، أو لا يقبل ؛ المهم عنده أنه يقال عند الناس : إنه رجل كريم، أو جواد.
وأما أن يكون على حسب شريعة الله : فإن أنفق في وجه لا يرضى به الله فليس في سبيل الله - وإن أخلص لله - كرجل ينفق على البدع يريد بذلك وجه الله - وهذا كثير : كبناء الربط للصوفية المنحرفة، وبناء البيوت للأعياد الميلادية، وبناء القصور للمآتم، وطبع الكتب المشتملة على بدع ؛ هذا قد يريد الإنسان بذلك وجه الله لكنه خلاف شريعة الله ؛ فلا يكون في سبيل الله.
٦ - ومن فوائد الآية : إثبات الملكية للإنسان ؛ لقوله تعالى : أموالهم ؛ فإن الإضافة هنا تفيد الملكية.
٧ - ومنها : وجه الشبه في قوله تعالى : كمثل حبة أنبتت سبع سنابل ؛ فإن هذه الحبة أنبتت سبع سنابل ؛ وشبهها الله بذلك ؛ لأن السنابل غذاء للجسم، والبدن ؛ كذلك الإنفاق في سبيل الله غذاء للقلب، والروح.
٨ - ومنها : أن ثواب الله، وفضله أكثر من عمل العامل ؛ لأنه لو عومل العامل بالعدل لكانت الحسنة بمثلها ؛ لكن الله يعامله بالفضل، والزيادة ؛ فتكون الحبة الواحدة سبعمائة حبة ؛ بل أزيد ؛ لقوله تعالى : والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم .
٩ - ومنها : إثبات الصفات الفعلية - التي تتعلق بمشيئة الله عز وجل ؛ لقوله تعالى : يضاعف ؛ و«المضاعفة » فعل.
١٠ - ومنها : إثبات مشيئة الله ؛ لقوله تعالى : لمن يشاء ؛ ولكن هل هذه المشيئة مشيئة مجردة ؛ أي أن الترجيح يكون فيها بدون سبب ؛ أو هي مشيئة مقيدة بما تقتضيه المصلحة، والحكمة ؟ الجواب أنها مشيئة مقيدة بما تقتضيه المصلحة، والحكمة ؛ وعليه فخذ هذا مقياساً : كل شيء علقه الله على المشيئة فإنه مقيد بالحكمة ؛ ودليله قوله تعالى : وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً [ الإنسان : ٣٠ ].
١١ - ومنها : أن الله له السلطان المطلق في خلقه ؛ ولا أحد يعترض عليه ؛ لقوله تعالى : يضاعف لمن يشاء ؛ ولهذا لما تناظر رجل من المعتزلة، وآخر من أهل السنة قال له المعتزلي : أرأيت إن منعني الهدى، وقضى علي بالردى أحسن إلي، أم أساء ؟ - يريد أن يبين أن أفعال العباد لا تدخل في إرادة الله ؛ لأنه إذا دخلت في إرادة الله فإن هذا الذي قضى عليه بالشقاء، ومنع الهدى يكون إساءة من الله إليه، فقال له السني : إن منعك ما هو لك فقد أساء ؛ وإن منعك فضله فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ؛ فغُلب المعتزلي ؛ لأنه ليس لك حق على الله واجب ؛ والله سبحانه وتعالى يؤتي فضله من يشاء.
١٢ - ومن فوائد الآية : إثبات هذين الاسمين من أسماء الله :«الواسع »، و «العليم » ؛ لقوله تعالى : واسع عليم ؛ وإثبات ما تضمناه من صفة ؛ وهما السعة، والعلم.
١٣ - ومنها : الحث، والترغيب في الإنفاق في سبيل الله ؛ يؤخذ هذا من ذكر فضيلة الإنفاق في سبيل الله، فإن الله لم يذكر هذا إلا من أجل هذا الثواب ؛ فلا بد أن يعمل له.
تفسير القرآن الكريم
محمد بن صالح بن محمد عثيمين المقبل الوهيبي التميمي