ﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆ

الصَّدَقاتِ أي يبارك في المال الذي أخرجت منه في الدنيا والآخرة
وفي الحديث: «إن الملك ينادي كل يوم اللهم يسر لكل منفق خلفا ولممسك تلفا»
«١». وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أي جاحد بتحريم الربا أَثِيمٍ (٢٧٦) أي فاجر بأخذه مع اعتقاد التحريم إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بالله ورسله وكتبه وبتحريم الربا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي فيما بينهم وبين ربهم وتركوا الربا وَأَقامُوا الصَّلاةَ أي أتموا الصلوات الخمس بما يجب فيها وَآتَوُا الزَّكاةَ أي أعطوا زكاة أموالهم لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ في الجنة وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من مكروه آت وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) على محبوب فات. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ أي قوا أنفسكم عقابه وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا أي اتركوا طلب ما بقي مما زاد على رؤوس أموالكم إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) أي مصدقين بقلوبكم في تحريم الربا فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ما أمرتم به بأن لم تتركوا الربا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أي فاستعدوا للعذاب من الله في الآخرة بالنار، وللعذاب من رسوله في الدنيا بالسيف وَإِنْ تُبْتُمْ من معاملة الربا فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ أي أصولها دون الزيادة لا تَظْلِمُونَ الغريم بطلب الزيادة على رأس المال وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) أي بنقصان رأس المال وبالمطل وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ أي وإن وقع غريم من غرمائكم ذو حالة يتعسر فيها وجود المال فيجب عليكم إمهاله إلى وقت يسار وسعة. وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ أي تصدقكم على المعسر برءوس أموالكم خير لكم من الأخذ والتأخير لأنه حصل لكم الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) فضل التصدق على الأنظار والقبض
وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ أي إلى حسابه لأعمالكم وهو يوم القيامة ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ أي توفى فيه كل نفس برة وفاجرة جزاء ما عملت من خير أو
شر وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١) بنقص حسنة أو زيادة سيئة. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بالله والرسول إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ أي إذا داين بعضكم بعضا، وعامله نسيئة معطيا أو آخذا إلى وقت معلوم بالأيام، أو الأشهر ونحوهما مما يرفع الجهالة لا بالحصاد ونحوه مما لا يرفعها، فاكتبوا الدين بأجله لأنه أوثق وأرفع للنزاع. والأكثرون على أن هذه الكتابة أمر استحباب، فإن ترك فلا بأس وهو أمر تعليم ترجع فائدته إلى منافع الخلق في دنياهم، فلا يثاب عليه المكلف إلا إن قصد الامتثال.
قال المفسرون: المراد بالمداينة السلم، فالله تعالى لما منع الربا في الآية المتقدمة أذن في السلم في جميع هذه الآية، مع أن جميع المنافع المطلوبة من الربا حاصلة في السلم ولهذا قال بعض العلماء: «لا لذة ولا منفعة يوصل إليها بالطريق الحرام إلا وضع الله تعالى لتحصيل مثل

(١) رواه البخاري في كتاب الزكاة، باب: قول الله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى إلخ، وأحمد في (م ٢/ ص ٣٠٦).

صفحة رقم 103

تلك اللذة طريقا حلالا وسبيلا مشروعا». والقرض غير الدين، لأن القرض أن يقرض الإنسان دراهم أو دنانير، أو حبا أو تمرا أو ما أشبه ذلك، ويسترد مثله ولا يجوز فيه الأجل. والدين يجوز فيه ذلك فذكر الأجل في القرض إن كان لغرض المقرض أفسده وإلا فلا يفسده ولا يجب الوفاء به لكنه يستحب.
قال ابن عباس: إن هذه الآية نزلت في السلف لأن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قدم المدينة وهم يسلفون في التمر السنتين والثلاث فقال صلّى الله عليه وسلّم: «من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم»
«١».
وقال أكثر المفسرين: إن البياعات على أربعة أوجه:
أحدها: بيع العين بالعين وذلك ليس بمداينة ألبتة.
والثاني: بيع الدين بالدين. وهو باطل فلا يكون داخلا تحت هذه الآية.
وبيع العين بالدين: وهو إذا باع شيئا بثمن مؤجل.
وبيع الدين بالعين: وهو المسمى بالسلم وكلاهما داخلان تحت هذه الآية. وَلْيَكْتُبْ كتاب الدين بَيْنَكُمْ أي بين الدائن والمديون كاتِبٌ بِالْعَدْلِ أي بحيث لا يزيد في المال والأجل ولا ينقص في ذلك وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ أي ولا يمتنع أحد من أن يكتب كتاب الدين بين الدائن والمديون على طريقة ما علمه الله كتابة الوثائق فليكتب تلك الكتابة التي علمه الله إياها. وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ أي وليبين المديون للكاتب ما عليه من الدين لأنه المشهود عليه فلا بد أن يكون هو المقر وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً أي وليخش المديون ربه بأن يقر بمبلغ المال الذي عليه ولا ينقص مما عليه من الدين شيئا في إلقاء الألفاظ على الكاتب فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ أي فإن كان المديون ناقص العقل مبذرا أو عاجزا عن سماع الألفاظ للكاتب لصغر أو كبر مضعف للعقل، أو لا يحسن الإسماع بنفسه على الكاتب- لخرس أو جهل باللغة أو بما عليه- فليقر على

(١) رواه مسلم في كتاب المساقاة، باب: ١٢٨، والبخاري في كتاب السلم، باب: السلم إلى أجل معلوم، وأبو داود في كتاب البيوع، باب: في السلف، والترمذي في كتاب البيوع، باب: ٦٨، والنّسائي في كتاب البيوع، باب: السلف في الثمار، وابن ماجة في كتاب التجارة، باب: السلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم، والدارمي في كتاب البيوع، باب: في السلف، وأحمد في (م ١/ ص ٢١٧).

صفحة رقم 104

الكاتب ولي كل واحد من هؤلاء الثلاثة. والمراد بالولي هو الولي لغة وهو من له ولاية عليه بأي طريق كان كوصي وقيّم ومترجم بِالْعَدْلِ أي بالصدق من غير زيادة ونقص. وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ أي وأشهدوا على الدين شاهدين من الرجال البالغين الأحرار المسلمين.
وعند شريح وابن سيرين وأحمد تجوز شهادة العبيد. وأجاز أبو حنيفة شهادة الكفار بعضهم على بعض فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ أي فإن لم يكن الشاهدان رجلين بأن لم يقصد إشهادهما فرجل وامرأتان كائنون مِمَّنْ تَرْضَوْنَ لدينه وعدالته مِنَ الشُّهَداءِ يشهدون. وهذا تفسير للخير. أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى.
قرأ حمزة «أن تضل» بكسر «إن»، «وتذكر» بالرفع والتشديد. وقرأ نافع وعاصم والكسائي «فتذكر» بالتشديد والنصب. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتخفيف والنصب. أما سائر القراء فقرأوا بنصب «أن» على حذف لام التعليل، أي وإنما اشترط التعدد في النساء لأجل أن تنسى إحدى المرأتين الشهادة لنقص عقلهن، فتذكر إحداهما الذاكرة للشهادة المرأة الأخرى الناسية لها وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا أي ولا يمتنع الشهداء إذا دعوا إلى تحمل الشهادة وأدائها عند الحكام، فيحرم الامتناع عليهم، لأن تحمل الشهادة وفرض كفاية مطلقا، والأداء كذلك إن زاد المتحملون على من يثبت بهم الحق وإلا ففرض عين. وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ أي ولا تملوا أن تكتبوا الدين لكثرة وقوع المداينة على أي حال كان الدين قليلا أو كبيرا، وعلى أي حال كان الكتاب مختصرا، أو مشبعا حال كون الدين مستقرا في ذمة المديون إلى وقت حوله الذي أقر به المديون. أي فاكتبوا الدين بصفة أجله ولا تهملوا الأجل في الكتابة وقوله تعالى:
وَلا تَسْئَمُوا معطوف على قوله تعالى: فَاكْتُبُوهُ. ذلِكُمْ أي الكتابة للدين أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ أي أعدل في حكم الله وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ أي أبين للشاهد بالشهادة إذا نسي وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا أي وأقرب إلى انتفاء شككم في قدر الدين وأجله إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ.
قرأ عاصم «تجارة» بالنصب على أنه خبر «تكون». والباقون بالرفع على أنه اسم «تكون» والخبر «تديرونها»، و «إلا» إما استثناء متصل راجع إلى قوله تعالى: إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ. والتقدير إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه إلا أن يكون الأجل قريبا وهو المراد من التجارة الحاضرة، وإما استثناء منقطع. فالتقدير: لكنه إذا كانت تجارتكم ومداينتكم تجارة حالة تتعاطونها يدا بيد، أو التقدير لكن إذا كانت تجارة حاضرة مقبوضة بينكم ولا أجل فيها فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها أي ليس عليكم مضرة في ترك الكتابة في المداينة الحاضرة كأن باع ثوابا بدرهم في الذمة بشرط أن يؤدى الدرهم في هذه الساعة، أي لا بأس بعدم الكتابة في ذلك

صفحة رقم 105

لبعده عن التنازع والنسيان. وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ بالأجل وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ بالكتابة وَلا شَهِيدٌ بالشهادة. وهذا إما مبني للفاعل فيكون نهيا للكاتب والشهيد عن إضرار من له الحق، وهو قول أكثر المفسرين والحسن وطاوس وقتادة، ويدل على ذلك قراءة عمر رضي الله عنه ولا يضارر بالإظهار والكسر، واختار الزجاج هذا القول لقوله تعالى: وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ [البقرة: ٢٨٢] وذلك لأن اسم الفسق بمن يحرف الكتابة وبمن يمتنع عن الشهادة حتى يبطل الحق بالكلية ولأنه تعالى قال فيمن يمتنع عن الشهادة: وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [البقرة: ٢٨٣]- والآثم والفاسق متقاربان- وإما مبني للمفعول فيكون نهيا لصاحب الحق عن إضرار الكاتب والشهيد، كأنه يكلفهما ما لا يليق في الكتابة والشهادة ولا يعطي الكاتب جعله ولا الشهيد مؤنة مجيئه حيث كان فإن لهما الجعل، ولا يكلفان الكتابة والشهادة مجانا، وهو قول ابن مسعود وعطاء ومجاهد، ويدل على ذلك قراءة ابن عباس «ولا يضارر» بالإظهار والفتح، وهذا لو كان نهيا للكاتب والشهيد لقيل: وإن تفعلا فإنه فسوق بكما، ولأن دلالة الكلام من أول الآيات إنما هو في المكتوب له والمشهود له. وإذا كان هذا النهي متوجها للذين يقدمون على المداينة فالمنهيون عن الضرار هم وَإِنْ تَفْعَلُوا ما نهيتم عنه من الضرير فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ أي فإن فعلكم ذلك معصية منكم وخروج عن طاعة الله وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما حذر منه وهو هنا المضارة. أو المعنى اتقوا الله في جميع أوامره ونواهيه وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ما يكون إرشادا واحتياطا في أمر الدنيا كما يعلمكم ما يكون إرشادا في أمر الدين وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ من مصالح الدنيا والآخرة عَلِيمٌ (٢٨٢) فلا يخفى عليه حالكم وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو «فرهن» بضم الراء والهاء أو سكونه. والباقون «فرهان» بكسر الراء وفتح الهاء مع المد و «على» بمعنى في أو بمعنى إلى. أي وإن كنتم مسافرين أو متوجهين إلى السفر، ولم تجدوا كاتبا أو آلة الكتابة في المدينة فرهن مقبوضة بدل من الشاهدين، أو يقال في الوثيقة رهان مقبوضة فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ أي الدائن بَعْضاً أي المديون بالدين بلا رهن لحسن ظنه به فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ بالدين أَمانَتَهُ أي حق صاحبه وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ أي وليخش المديون ربه في أداء الدين عند حلول الأجل من غير مماطلة ولا إنكار بل يعامل الدائن معاملة حسنة كما أحسن ظنه فيه وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ عند الحكام بإنكار العلم بتلك الواقعة أو بالامتناع من أداء الشهادة عند الحاجة إلى إقامتها. وَمَنْ يَكْتُمْها أي الشهادة فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ أي فاجر قلبه وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ من كتمان الشهادة وإقامتها ومن الخيانة في الأمانة وعدمها عَلِيمٌ (٢٨٣) فيجازيكم على ذلك إن خيرا فخير وإن شرا فشر. لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكا وملكا من الخلق والعجائب يأمر عباده بما يشاء وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ من العزم على السوء بأن تظهروه للناس بالقول أو بالفعل أَوْ تُخْفُوهُ بأن تكتموه منهم وَلا يَأْبَ كاتِبٌ يوم القيامة. فالخواطر

صفحة رقم 106

الحاصلة في القلب على قسمين: ما يوطّن الإنسان نفسه عليه ويعزم على إدخاله في الوجود، وما لا يكون كذلك بل تكون أمورا خاطرة بالبال مع أن الإنسان يكرهها ولكنه لا يمكنه دفعها عن النفس. فالقسم الأول يكون مؤاخذا به، والثاني لا يكون مؤاخذا به فَيَغْفِرُ بفضله لِمَنْ يَشاءُ مغفرته وَيُعَذِّبُ بعدله مَنْ يَشاءُ تعذيبه وقد يغفر لمن يشاء الذنب العظيم، وقد يعذب من يشاء على الذنب الحقير. لا يسأل عما يفعل.
قرأ عاصم وابن عامر «فيغفر»، «ويعذب» بالرفع. والباقون بالجزم. وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من المغفرة والعذاب قَدِيرٌ (٢٨٤) آمَنَ الرَّسُولُ أي صدق محمد صلّى الله عليه وسلّم بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ أي من القرآن.
قال الزجاج: لما ذكر الله تعالى في هذه السورة فرض الصلاة والزكاة والصوم والحج، وذكر الطلاق والإيلاء والحيض والجهاد، وقصص الأنبياء، ختم السورة بذكر تصديق نبيه صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين بجميع ذلك، انتهى. وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ أي كل واحد منهم آمَنَ بِاللَّهِ أي بوجوده وبصفاته وبأفعاله وبأحكامه وبأسمائه وَمَلائِكَتِهِ أي بوجودها وبأنهم معصومون مطهرون يخافون ربهم من فوقهم وأنهم وسائط بين الله وبين البشر. وأن كتب الله المنزّلة إنما وصلت إلى الأنبياء بواسطة الملائكة وَكُتُبِهِ. وقرأ حمزة والكسائي بكسر الكاف وفتح التاء مع المد بأن يعلم أن هذه الكتب وحي من الله تعالى إلى رسله، وأنها ليست من باب الكهانة ولا من باب السحر ولا من باب إلقاء الشياطين والأرواح الخبيثة وبأن يعلم أن الوحي بهذه الكتب، فالله تعالى لم يمكن أحدا من الشياطين من إلقاء شيء من ضلالاتهم في أثناء هذا الوحي الظاهر. وبأن يعلم أن هذا القرآن لم يغيّر ولم يحرّف، فمن قال: إن ترتيب القرآن على هذا الوجه شيء فعله عثمان رضي الله عنه فقد أخرج القرآن عن كونه حجة وهو قول فاسد. وبأن يعلم أن القرآن مشتمل على المحكم والمتشابه وأن محكمه يكشف عن متشابهه وَرُسُلِهِ بأن يعلم كونهم معصومين من الذنوب. وبأن يعلم أن النبي أفضل ممن ليس بنبي وأن الرسل أفضل من الملائكة. وأن يعلم أن بعضهم أفضل من البعض لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ أي يقول المؤمنون لا نكفر بأحد من رسله بل نؤمن بصحة رسالة كل واحد منهم وَقالُوا أيضا سَمِعْنا قول ربنا وَأَطَعْنا أمر ربنا غُفْرانَكَ أي نسألك غفرانك من ذنوبنا رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) أي المرجع بعد الموت لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً من الطاعة إِلَّا وُسْعَها أي طاقتها لَها ما كَسَبَتْ أي ثوابه من الخير وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ أي وزره من الشرفان.
قلنا: إن هذا من كلام المؤمنين فوجه النظم إنهم لما قالوا: سمعنا وأطعنا فكأنهم قالوا:
كيف لا نسمع ولا نطيع، وإنه تعالى لا يكلفنا إلا ما في وسعنا وطاقتنا! فإذا كان هو تعالى بحكم

صفحة رقم 107

الرحمة الإلهية لا يطالبنا إلا بالشيء السهل الهين فكذلك نحن بحكم العبودية وجب أن نكون سامعين مطيعين. وإن قلنا: إن هذا من كلام الله تعالى فوجه النظم أنهم لما قالوا: سمعنا وأطعنا، ثم قالوا بعده: غفرانك ربنا، دل ذلك على أن قولهم: غفرانك، طلب للمغفرة مما يصدر عنهم من وجوه التقصير منهم على سبيل العمد، فلما كان قولهم غفرانك طلبا للمغفرة من ذلك التقصير فلا شك في أن الله تعالى خفف عنهم ذلك وقال: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها. والمعنى أنكم إذا سمعتم وأطعتم ولم تتعمدوا التقصير، فلو وقع منكم نوع تقصير على سبيل السهو والغفلة فلا تكونوا خائفين منه فإن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها. وبالجملة فهذا إجابة لهم من الله في دعائهم بقولهم غفرانك ربنا، اه. رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا أي يا ربنا لا تعاقبنا إِنْ نَسِينا طاعتك أَوْ أَخْطَأْنا في أمرك رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً أي تكليفا بالأمور الشاقة. كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا من بني إسرائيل أي لا تشدد علينا في التكاليف كما شددت على من قبلنا من اليهود.
قال المفسرون: إن الله تعالى فرض عليهم خمسين صلاة في اليوم والليلة، وأمرهم بأداء ربع أموالهم في الزكاة. ومن أصاب ثوبه نجاسة أمر بقطعها. وكانوا إذا نسوا شيئا عجلت لهم العقوبة في الدنيا، وكانوا إذا أتوا بخطيئة حرم عليهم من الطعام بعض ما كان حلالا لهم رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ أي قوة لَنا بِهِ من البلاء والعقوبة. أي ولا تحمل علينا أيضا ما لا راحة لنا فيه من الاستكراه. وَاعْفُ عَنَّا أي امح آثار ذنوبنا وَاغْفِرْ لَنا أي استر عيوبنا ولا تفضحنا بين عبادك. وَارْحَمْنا أي تعطّف بنا وتفضّل علينا. أَنْتَ مَوْلانا أي أنت سيدنا وناصرنا ونحن عبيدك ويقال: واعف عنا من المسخ كما مسخت قوم عيسى واغفر لنا من الخسف كما خسفت بقارون، وارحمنا من القذف كما قذفت قوم لوط. فلما دعوا بهذا الدعاء رفع الله عنهم ذنوب حديث النفس والنسيان والخطأ والاستكراه وعفا عنهم من الخسف والمسخ والقذف. فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٨٦) أي انصرنا عليهم في محاربتنا معهم، وفي مناظرتنا بالحجة معهم، وفي إعلاء دولة الإسلام على دولتهم. ولما مدح الله تعالى المتقين في أول السورة بيّن في آخر السورة أنهم أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم فقال: وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وهذا هو المراد بقوله تعالى هناك: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ثم قال هاهنا:
وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا هو المراد بقوله تعالى هناك: وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ثم قال هاهنا: غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ وهو المراد بقوله تعالى هناك: وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ثم حكى الله تعالى عنهم هاهنا كيفية تضرعهم إلى ربهم في قولهم: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا إلى آخر السورة وهو المراد بقوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ فانظر كيف حصلت الموافقة بين أول السورة وآخرها.

صفحة رقم 108

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا

تحقيق

محمد أمين الضناوي

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت
سنة النشر 1417
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية