وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون { ٥٠ وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ٥١ ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون ٥٢ وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون ٥٣ }.
تفسير المفردات
الفرق : الفصل بين الشيئين، والبحر : هو بحر القلزم فرقه الله اثنتي عشرة فرقة بعدد أسباط بني إسرائيل، والسبط : ولد الولد، وهو من بني إسرائيل كالقبائل من العرب.
المعنى الجملي
في الآية الأولى تفصيل لمجمل ما ذكر في الآية السالفة من الإنجاء، وتصوير لحصوله وعظيم هوله، وكونه من خوارق العادات، وفي تضاعيف ذلك التي تلتها وهي العدة بإعطاء التوراة وكفرهم بها باتخاذهم عجلا من ذهب وعبادتهم إياه، ثم عفوه عنهم بعد ذلك، ثم قفى على ذلك بذكر إيتائهم الكتاب وهي المنة الكبرى مع الآيات التي أيد بها موسى لتصديق نبوته.
روى المؤرخون أن الله لما أرسل موسى إلى فرعون وقومه يدعوهم إلى الإيمان به ويطلب إليهم إطلاق الشعب الإسرائيلي، وترك تعذيبه والعسف به، زاد فرعون في تعذيبهم وسامهم الخسف، وشدد عليهم النكال والتعذيب.
ويؤيد هذا ما جاء في سفر الخروج من التوراة : إن الله تعالى أنبأ موسى بأنه سيجعل قلب فرعون قاسيا على بني إسرائيل، ويزيد في النكال بهم ولا يرسلهم مع موسى حتى يريه آياته.
فبعد أن دعاه موسى إلى الإيمان زاد ظلما وعتوا، فأمر الذين كانوا يسخرون بني إسرائيل في الأعمال الشاقة أن يزيدوا في القسوة عليهم، وأن يمنعوهم التبن الذي كانوا يعطونهم إياه لعمل اللبن الطوب ويكلفوهم أن يجمعوه ويعملوا كل ما يعملونه من اللبن لا يخفف عنهم منه شيء.
فأعطى الله موسى وأخاه هارون الآيات، فحاول فرعون معارضتها بسحر السحرة، فلما آمن السحرة برب العالمين رب موسى وهارون، ورأى من الآيات ما رأى سمح بخروج بني إسرائيل بل طردهم طردا.
وفي سفر الخروج أنهم خرجوا في شهر أبيب بعد أن أقاموا بمصر ثلاثين وأربعمائة سنة من عهد يوسف عليه السلام، ثم أتبعهم فرعون وجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم وأنجى الله بني إسرائيل وأغرق فرعون ومن معه.
وقد كان فرق البحر من معجزات موسى عليه السلام كمعجزات سائر الأنبياء التي يظهرها الله تعالى على أيديهم لترشد الناس إلى أن السنن والنواميس الكونية لا تحكم على واضعها ومدبرها، بل هو الحاكم المتصرف فيها، وهي أيضا سنة أخرى في الكون يخلقها الله متى شاء على يد من يصطفيه من عباده.
وزعم بعض الناس أن عبور بني إسرائيل البحر كان وقت الجزر، وفي بحر القلزم [ البحر الأحمر ] رقارق يتيسر للإنسان أن يعبر بها البحر إذا كان الجزر شديدا، وكانوا لاستعجالهم واتصال بعضهم ببعض، قد جعلوا الماء الرقارق فرقين عظيمين ممتدين كالطود العظيم، يرشد على ذلك قوله : وإذ فرقنا بكم البحر ولم يقل فرقنا لكم البحر.
وقوله : فكان كل فرق كالطود العظيم تشبيه معروف معهود مثله في مقام المبالغة كقوله : وهي تجري بهم في موج كالجبال وقوله : ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام ألا ترى أن الأمواج والسفن الجواري لا تكون كشواهق الجبال، لكنه يراد بمثل هذا التعبير زيادة البيان، وإرادة التأثير في نفس السامع.
ولما أتبعهم فرعون وجنوده ورآهم قد عبروا البحر مشى إثرهم، وكان المد قد بدأ، ولم يتم خروج بني إسرائيل إلا وقد علا المد، وطغى حتى أغرق المصريين جميعا، وتحققت نعمة الله على بني إسرائيل، وتم لهم التوفيق ولعدوهم الخذلان، ونعم الله بغير طريق المعجزات أتم وأكثر، فليس بلازم أن نجعل الامتنان في كونه معجزة موسى عليه السلام اه.
ومثل هذا التأويل ليس بضائر إذا كان أربابه يثبتون صدور خوارق العادات على يد الأنبياء تأييدا من الله لهم، أما إذا أنكروها فلا حاجة إلى الكلام معهم، إذ لا بد أن نثبت لهم قدرة الله وإرادته، ثم نثبت لهم إمكان الوحي وإرسال الرسل وتأييدهم بالمعجزات
الإيضاح
وإذ فرقنا بكم البحر أي واذكروا من نعمتنا عليكم نعمة فرق البحر بكم وجعلنا لكم فيه طرقا تسلكونها حين هربكم من فرعون.
فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون أي فأنجيناكم من الغرق وأخرجناكم إلى الشاطئ الآخر، وأغرقنا فرعون ومن معه حين عبروا وراءكم، وأنتم تشاهدون ذلك بأبصاركم ولا تشكون في حصوله، ولولا ذلك لكان لكم وجه للريبة والشك في وقوعه، والفائدة من قوله : وأنتم تنظرون بيان تمام النعمة، فإن هلاك العدو نعمة، ومشاهدة هلاكه نعمة أخرى فيها سرور لا يقدر قدره.
المعنى الجملي
في الآية الأولى تفصيل لمجمل ما ذكر في الآية السالفة من الإنجاء، وتصوير لحصوله وعظيم هوله، وكونه من خوارق العادات، وفي تضاعيف ذلك التي تلتها وهي العدة بإعطاء التوراة وكفرهم بها باتخاذهم عجلا من ذهب وعبادتهم إياه، ثم عفوه عنهم بعد ذلك، ثم قفى على ذلك بذكر إيتائهم الكتاب وهي المنة الكبرى مع الآيات التي أيد بها موسى لتصديق نبوته.
روى المؤرخون أن الله لما أرسل موسى إلى فرعون وقومه يدعوهم إلى الإيمان به ويطلب إليهم إطلاق الشعب الإسرائيلي، وترك تعذيبه والعسف به، زاد فرعون في تعذيبهم وسامهم الخسف، وشدد عليهم النكال والتعذيب.
ويؤيد هذا ما جاء في سفر الخروج من التوراة : إن الله تعالى أنبأ موسى بأنه سيجعل قلب فرعون قاسيا على بني إسرائيل، ويزيد في النكال بهم ولا يرسلهم مع موسى حتى يريه آياته.
فبعد أن دعاه موسى إلى الإيمان زاد ظلما وعتوا، فأمر الذين كانوا يسخرون بني إسرائيل في الأعمال الشاقة أن يزيدوا في القسوة عليهم، وأن يمنعوهم التبن الذي كانوا يعطونهم إياه لعمل اللبن الطوب ويكلفوهم أن يجمعوه ويعملوا كل ما يعملونه من اللبن لا يخفف عنهم منه شيء.
فأعطى الله موسى وأخاه هارون الآيات، فحاول فرعون معارضتها بسحر السحرة، فلما آمن السحرة برب العالمين رب موسى وهارون، ورأى من الآيات ما رأى سمح بخروج بني إسرائيل بل طردهم طردا.
وفي سفر الخروج أنهم خرجوا في شهر أبيب بعد أن أقاموا بمصر ثلاثين وأربعمائة سنة من عهد يوسف عليه السلام، ثم أتبعهم فرعون وجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم وأنجى الله بني إسرائيل وأغرق فرعون ومن معه.
وقد كان فرق البحر من معجزات موسى عليه السلام كمعجزات سائر الأنبياء التي يظهرها الله تعالى على أيديهم لترشد الناس إلى أن السنن والنواميس الكونية لا تحكم على واضعها ومدبرها، بل هو الحاكم المتصرف فيها، وهي أيضا سنة أخرى في الكون يخلقها الله متى شاء على يد من يصطفيه من عباده.
وزعم بعض الناس أن عبور بني إسرائيل البحر كان وقت الجزر، وفي بحر القلزم [ البحر الأحمر ] رقارق يتيسر للإنسان أن يعبر بها البحر إذا كان الجزر شديدا، وكانوا لاستعجالهم واتصال بعضهم ببعض، قد جعلوا الماء الرقارق فرقين عظيمين ممتدين كالطود العظيم، يرشد على ذلك قوله : وإذ فرقنا بكم البحر ولم يقل فرقنا لكم البحر.
وقوله : فكان كل فرق كالطود العظيم تشبيه معروف معهود مثله في مقام المبالغة كقوله : وهي تجري بهم في موج كالجبال وقوله : ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام ألا ترى أن الأمواج والسفن الجواري لا تكون كشواهق الجبال، لكنه يراد بمثل هذا التعبير زيادة البيان، وإرادة التأثير في نفس السامع.
ولما أتبعهم فرعون وجنوده ورآهم قد عبروا البحر مشى إثرهم، وكان المد قد بدأ، ولم يتم خروج بني إسرائيل إلا وقد علا المد، وطغى حتى أغرق المصريين جميعا، وتحققت نعمة الله على بني إسرائيل، وتم لهم التوفيق ولعدوهم الخذلان، ونعم الله بغير طريق المعجزات أتم وأكثر، فليس بلازم أن نجعل الامتنان في كونه معجزة موسى عليه السلام اه.
ومثل هذا التأويل ليس بضائر إذا كان أربابه يثبتون صدور خوارق العادات على يد الأنبياء تأييدا من الله لهم، أما إذا أنكروها فلا حاجة إلى الكلام معهم، إذ لا بد أن نثبت لهم قدرة الله وإرادته، ثم نثبت لهم إمكان الوحي وإرسال الرسل وتأييدهم بالمعجزات
تفسير المراغي
المراغي