ﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵ

يقول الله جل وعلا : وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون [ البقرة : آية ٥٧ ] لما كان بنو إسرائيل في التيه، واشتكوا الحر، دعا نبي الله موسى لهم، فظلل الله عليهم الغمام. والغمام : اسم جنس واحده غمامة، وهو غمام أبيض رقيق يظلهم من الشمس. وفي قصتهم أنه إذا كان في الليل ارتفع ليستضيئوا بضوء القمر.
وصيغة الجمع في قوله : وظللنا للتعظيم.
وأنزلنا عليكم المن والسلوى لما اشتكوا في التيه من الجوع، دعا الله نبيهم، فأنزل الله المن والسلوى. وأكثر علماء التفسير على أن المن : الترنجبين، وهو شيء ينزل كالندى ثم يجتمع، أبيض، حلو، يشبه العسل الأبيض، هذا قول أكثر المفسرين في المراد بالمن.
قال بعض العلماء : ولا يعارض هذا ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من أنه قال : " الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين ". قالوا : فمراده صلى الله عليه وسلم بقوله : " من المن " أي : من جنس ما من الله به على بني إسرائيل، حيث إنه طعام يوجد – فضلا من الله – من غير تعب، وظاهر الحديث أن الكمأة من نفس ما من الله به على بني إسرائيل في التيه.
وقوله : والسلوى جمهور المفسرين، أو عامة المفسرين على أن ( السلوى ) : طير، قال بعضهم : هو السمانى، وقال بعضهم : طائر يشبه السمانى. وتفسير من فسر السلوى بأنه ( العسل ) غير صواب، وكذلك ادعاء أن السلوى يطلق في لغة العرب على العسل، ومنه قول الهذلي :
وقاسمتها بالله جهدا لأنتم*** ألذ من السلوى إذا ما نشورها
والشور : استخراج العسل خاصة.
لكن ليس المراد بالسلوى في الآية العسل، وإنما المراد به طائر، كما عليه عامة المفسرين، هو السمانى أو طائر يشبه السمانى.
وقوله : كلوا من طيبات ما رزقناكم محكي قول محذوف، أي : وقلنا لهم : كلوا من طيبات ما رزقناكم كهذا المن والسلوى، وهما طيبان حسا ومعنى ؛ للذاذة طعمهما وحليتها شرعا ؛ لأنهما من وفضل من الله جل وعلا.
وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون هنا محذوف دل المقام عليه، والمعنى : كلوا من طيبات ما رزقناكم أي : أنعمنا عليهم هذه النعم فقابلوا نعمنا بعدم الشكر، وارتكاب المعاصي، وما ظلمونا بتلك المعاصي التي قابلوا بها نعمنا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون .
وقال بعض العلماء : أمروا أن لا يدخروا من المن والسلوى فخالفوا أمر الله وادخروا، وما ظلمونا بذلك الادخار المنهي عنه ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. والقول الأول أشمل، وهو الصواب.
وقوله ( جل وعلا ) في هذه الآية : وما ظلمونا فيه الدليل الواضح على أن نفي الفعل لا يستلزم إمكانه ؛ لأن الله نفى عنه أنهم ظلموه، ونفيه ( جل وعلا ) عن نفسه أنهم ظلموه، لا يدل على أنه يمكن أن يظلموه، بل نفي الفعل لا يدل على إمكانه.
وقوله جل وعلا : ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ( لكن ) واقعة في موقعها، والمعنى : أن هذا الظلم واقع على أنفسهم حيث عرضوها به لسخط الله ( جل وعلا ) وعقابه، فضرر فعلهم عائد إليهم، والله ( جل وعلا ) لا تضره معاصي خلقه، ولا تنفعه طاعاتهم فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد [ التغابن : آية ٦ ].
وقد بين القرآن في آيات كثيرة أن الله ( جل وعلا ) لا يتضرر بمعاصي خلقه ولا يتنفع بطاعاتهم، كقوله : إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد [ إبراهيم : آية ٨ ]، وقوله : فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد [ التغابن : آية ٦ ]، وقوله : يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد [ فاطر : آية ١٥ ]، وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه : " يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا " الحديث.
هذا معنى قوله : وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون أي : قابلوا نعمنا بالمعاصي، وما ظلمونا بذلك ولكن ظلموا أنفسهم بذلك.

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير