فبوجوده ﷺ أمهل الكفار واخر عنهم العذاب ورفع عنهم الخسف والمسخ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٤) المغبونين المعذبين في الحال كما كنتم معذبين الهالكين بوقوع الطور لو لم تقبلوا حكم الله حينئذ.
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ اللام موطية للقسم- والسبت في الأصل القطع لان الله تعالى قطع فيها الخلق- او لان اليهود أمروا بقطع الأعمال فيه والتجرد للعبادة والقصة انهم كانوا زمن داود عليه السلام نحوا من سبعين «١» الفا بأرض حاضر البحر يقال لها ايلة حرم الله عليهم صيد السمك يوم السبت وابتلاهم بانه إذا دخل السبت لم يبق حوت في البحر الا اجتمع هناك يخرجون خراطيمهم من الماء حتى لا يرى الماء من كثرتها- ويوم لا يسبتون لا تأتيهم فاحتالوا للصيد وحفروا حياضا وشرعوا إليها الجداول فاذا كان يوم السبت اقبل الموج بالحيتان الى الحياض فلا يقدرن على الخروج منها لبعد عمقها وقلة مائها فيصطادون يوم الأحد- وقيل كانوا ينصبون الحبائل والشصوص يوم الجمعة ويخرجونها يوم الأحد- وصار اهل القرية ثلثة اصناف صنف امسك ونهى وصنف امسك ولم ينه وصنف انتهك الحرمة- وكان الناهون اثنى عشر الفا فلما ابى المجرمون قبول نصحهم لعنهم داود وغضب الله عليهم فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا امر تكوين قِرَدَةً خاسِئِينَ (٦٥) باعدين مطرودين.
فَجَعَلْناها اى تلك العقوبة نَكالًا عبرة تنكل اى تمنع المعتبر ومنه النكل للقيد لِما بَيْنَ يَدَيْها اى لمعاصريهم وَما خَلْفَها اى من بعدهم فما بمعنى من او لاجل ما تقدم من ذنوبهم وما تأخر- وقيل فيه تقديم وتأخير تقديره فجعلناها وما خلفها اى ما أعد لهم من العذاب في الاخرة نكالا لمّا بين يديها من ذنوبهم وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦) للمؤمنين من امة محمد صلى الله عليه وسلم.
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ أول هذه القصة قوله تعالى وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها- وانما قدمت عليه ليدل بالاستقلال على نوع اخر من مساويهم وهو الاستهزاء بالأمر والاستقصاء في السؤال وترك المسارعة الى الامتثال- والقصة انه كان في بنى إسرائيل رجل غنىّ اسمه عاميل وله ابن عم فقير لا وارث له سواه فلما طال له موته قتله ليرثه وحمله
الى قرية اخرى وألقاه بفنائهم- ثم أصبح يطلب ثاره وجاء بناس يدّعى عليهم القتل- فسالهم موسى عليه السلام فجحدوا فاشتبه الأمر على موسى فسالوه ليبين لهم بدعائه فقال موسى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً- مأخوذ من البقر بمعنى الشق وهى تبقر الأرض للحراثة قالُوا استبعادا لما قاله واستخفافا به أَتَتَّخِذُنا هُزُواً مصدر بمعنى المفعول اى مهزوّا بنا- او حمل مبالغة او بحذف المضاف اى اهل هزو- قرا حفص هزوا- وكفوا بضم الزاء والفاء من غير همز- وحمزة بإسكان الزاء والفاء «١» وبالهمز وصلا فاذا وقف أبدل الهمزة واوا على أصله «٢» والباقون بالضم والهمزة- قالَ موسى أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٦٧) فان الاستهزاء والجواب لا على وفق السؤال من عادة الجهال- نفى عن نفسه ما رمى به على طريقة البرهان واخرج فى صورة الاستعاذة استعظاما له- فلما علم القوم ان ذبح البقرة عزم من الله عز وجل وكان حصول المقصود من ذبح البقرة مستبعدا عندهم وزعموا انها بقرة عظيمة الشأن فاستوصفوها ولم يكن ذلك الا لفرط حماقتهم قال رسول الله ﷺ لو ذبحوا اى بقرة أرادوا لاجزتهم ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم- رواه سعيد بن منصور عن عكرمة مرسلا وأخرجه ابن جرير بسند صحيح عن ابن عباس موقوفا وكان لله تعالى فيه حكمة- وذلك انه كان في بنى إسرائيل رجل صالح له ابن طفل وكان له عجل اتى بها الى غيضة وقال اللهم انى استودعك هذه العجل لابنى حتى يكبر ومات الرجل فصارت العجلة في الغيضة عوانا وكانت تهرب من كل من راها- فلما كبر الابن كان بارا بوالدته وكان يقسّم الليلة ثلاثة أثلاث يصلى ثلثا وينام ثلثا ويجلس عند رأس امه ثلثا فاذا أصبح انطلق فاحتطب على ظهره فيأتى به الى السوق فيبيعه بما شاء الله ثم يتصدق بثلثه ويأكل ثلثه ويعطى والدته ثلثه فقالت له امه يوما ان أباك ورثك عجلة استودعها الله في غيضة كذا فانطلق فادع الله ابراهيم وإسماعيل وإسحاق عليهم السلام ان يردها عليك وعلامتها انك إذا نظرت إليها تخيل إليك ان شعاع الشمس يخرج من جلدها- وكانت تلك البقرة تسمّى المذهّبة لحسنها وصفرتها- فاتى الفتى الغيضة فراها ترعى فصاح بها وقال اعزم عليك باله ابراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب- فاقبلت تسعى حتى قامت بين يديه فقبض على عنقها يقودها- فتكلمت بإذن الله تعالى وقالت ايها الفتى البار
(٢) اصل الحمزة في أمثاله النقل وإسقاط الهمزة- ابو محمد
التفسير المظهري
القاضي مولوي محمد ثناء الله الهندي الفاني فتي النقشبندى الحنفي العثماني المظهري
غلام نبي تونسي