ﭮﭯﭰ

ثم ذكر قصة صالح عليه السّلام، فقال:
[سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ١٤١ الى ١٥٩]
كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٤٥)
أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠)
وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) ما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥)
وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩)
يقول الحق جلّ جلاله: كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نسباً، صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ الله تعالى، فتوحدونه، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ: مشهور فيكم بالأمانة، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ، أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ أي: أتطمعون أن تتركوا فيما هاهنا من النعمة والتَّرَفُّهِ، آمنين من عقاب الله وعذابه، وأنتم على كفركم وشرككم، كلا، والله لنختبرنكم ببعث الرسول، فإن كفرتم عاجلتكم بالعقوبة.
ثم فسّر ما هم فيه من النعمة بقوله: فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ هو داخل فيما قبله، وخصه بالذكر شرفاً له. أو: في جنات بلا نخل، طَلْعُها هَضِيمٌ، والطلع: عنقود التمر في أول نباته، باقياً في غلافه.
والهضيم: اللطيف اللين للطف الثمر، أو: لأن النخل أنثى وطلع الأنثى ألطف، أو: لنضجه، كأنه: قيل: ونخل قد

صفحة رقم 154

أرطب ثمره. قال ابن عباس: إذا أينع فهو هضيم. وقال أيضاً: هضيم: طيب، وقال الزجاج: هو الذي رطبه بغير نوى، أو: دَانٍ من الأرض، قريب التناول.
وَتَنْحِتُونَ أي: تنقبون مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ حال من الواو، أي: حاذقين، أو: ناشطين، أو: أقوياء، وقيل: أَشِرينَ بَطِرِينَ. قيل: كانوا في زمن الشتاء يسكنون الجبال، وفي زمن الربيع والصيف ينزلون بمواشيهم إلى الريف ومكان الخصب. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ الكافرين المجاوزين الحدّ في الكفر والطغيان، أي: لا تنقادوا لأمرهم، ولا تتبعوا رأيهم، وهم الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بالإسراف فى الكفر والمعاصي، وَلا يُصْلِحُونَ بالإيمان والطاعة. والمعنى: أن فسادهم خالص، لا يشوبه شيء من الصلاح، كما تكون حال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح.
قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ الذين سحروا، حتى غَلَبَ على عقلهم السحر، ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ في دعوى الرسالة، قالَ هذِهِ ناقَةٌ، قالها بعد ما أخرجها الله تعالى من الصخرة بدعائه عليه السلام، لَها شِرْبٌ نصيب من الماء، فلا تُزاحموها فيه، وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ لا تزاحمكم فيه. رُوي أنهم قالوا: نُريد ناقة عُشَرَاءَ، تخرج من هذه الصخرة، فتلد سَقْباً- والسقب: ولد الناقة- فقعد صالح يتفكر، فقال له جبريل عليه السلام: صَلِّ ركعتين، وسَلْ رَبَّك الناقة، ففعل، فخرجت الناقة، ونتجت سقباً مثلها في العِظم، وصدرها ستون ذراعاً- أي: طولها- وإذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله، وإذا كان يوم شربهم لا تشرب فيه.
وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ بضرب، أو عقر، أو غير ذلك، فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ، وصف اليوم بالعظم لعظم ما يحل فيه، وهو أبلغ من تعظيم العذاب، فَعَقَرُوها عَقَرَها «قَدَّار»، وأسند العقر إلى جميعهم لأنهم راضون به. رُوي أن عاقرها قال: لا أعقرها حتى ترضوا أجمعين. وكانوا يدخلون على المرأة في خدرها، فيقولون: أترضين بعقر الناقة؟ فتقول: نعم، وكذلك صبيانهم، فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ على عقرها خوفاً من نزول العذاب بهم، لا ندم توبة لأنهم طلبوا صالحاً ليقتلوه لَمَّا أيقنوا بالعذاب، وندموا حين لا ينفع الندم، وذلك حين مُعَايَنَةِ العذاب.
فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ أي: صيحة جبريل، فتقطعت قلوبهم، فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ: ميتين، صغيرهم وكبيرهم، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ. رُوي أنه أسلم منهم ألفان وثلاثمائة رجل وامرأة. وقيل: كانوا أربعة آلاف، وقال كعب: كان قوم صالح اثني عشر ألفاً، من سوى النساء والذرية. ولقد كان قوم عاد مثلهم ست مرات. قاله القرطبي. قيل: في نفي الإيمان عن أكثرهم إيماءٌ إلى أنه لو آمن أكثرهم أو:

صفحة رقم 155

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

تحقيق

أحمد عبد الله القرشي رسلان

الناشر الدكتور حسن عباس زكي - القاهرة
سنة النشر 1419
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية