ﰋﰌﰍ

وفي الوزن قال بالقسطاس المستقيم... ١٨٢ ( الشعراء )
والقسطاس : يعني العدل المطلق في قدرة البشر وإمكاناتهم في تحري الدقة في الوزن، مع مراعاة اختلاف الموزونات، فوزن الذهب غير وزن التفاح مثلا، غير وزن العدس أو السمسم، فعليك أن تتحرى الدقة قدر إمكانك، لتحقق هذا القسطاس المستقيم.
لكن، لماذا خص الكيل والوزن من وسائل التقدير والتقييم، ولم يذكر مثلا القياس في المساحات والمسافات بالمتر أو بالذراع ؟.
قالوا : لأن الناس قديما – وكانت أمما بدائية- لا تتعامل فيما يقاس، فلا يشترون القماش مثلا ؛ لأنه كان يغزل، تغزله النساء ويغزله الرجال، ولم يكن أحد يغزل لأحد أو يبيع له، فهذه صورة حضارية رأيناها فيما بعد.
وقديما، كان الناس يتعاملون بالتبادل والمقايضة، وفي هذه الحالة لا يوجد بائع على حدة ولا مشتر على حدة، فلا يتفرد البائع بالبيع، والمشتري بالشراء، إلا في حالة مبادلة السلعة بالثمن، كما قال تعالى : وشروه بثمن بخس دراهم معدودة... ٢٠ ( يوسف ) أي : باعوه.
أما في حالة المقايضة، فأنت تأخذ القمح تأكله، وأنا آخذ التمر آكله، فالانتفاع هنا انتفاع مباشر بالسلعة، فإن قدرت أن كل واحد في الصفقة بائع ومشتر. تقول : شرى وباع. وإن قدرت الأثمان التي لا ينتفع بها انتفاعا مباشرا كالذهب والفضة، أو أي معدن آخر، وهذه الأشياء لا تؤكل فهي ثمن، أما الأشياء الأخرى فصالحة أن تكون سلعة، وصالحة لأن تكون ثمنا.
وقد أفرد القرآن الكريم سورة مخصوصة لمسألة الكيل والميزان هي " سورة المطففين " يقول سبحانه : ويل للمطففين ١ الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون ٢ وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ٣ ( المطففين ).
نقول : كال له يعني : أعطاه، واكتال عليه يعني : أخذ منه. فإن أخذ أخذ وافيا، وإن أعطى أعطى بالنقص والخسارة. والقرآن لا ينعى عليه الا يستوفي حقه، لكن ينعى عليه أن ينقص من حق الآخرين، ولو شيئا يسيرا.
فمعنى( المطففين ) من الشيء الطفيف اليسير، فإذا كان الويل لمن يظلم في الشيء الطفيف، فما بال من يظلم في الكل ؟.
فاللوم هنا لمن يجمع بين هذين الأمرين : يأخذ بالزيادة ويعطي بالنقص، أما من يعطي بالزيادة فلا بأس، وجزاؤه على الله، وهو من المحسنين الذين قال الله فيهم : ما على المحسنين من سبيل... ٩١ ( التوبة ).
ومع تطور المجتمعات بدأ الناس يهتمون بقياس دقة آلات الكيل والوزن والقياس، فوجدت هيئات متخصصة في معايرتها والتفتيش عليها ومتابعة دقتها ؛ لأنها مع مرور الزمن عرضة للنقص أو الزيادة، فمثلا سنجة الحديد- التي نزن بها قد تزيد إن كانت في مكان بحيث تتراكم عليها الزيوت والتراب، وقد تنقص بالحركة مع مرور الوقت، كما تنقص مثلا أكرة الباب من كثرة الاستعمال، فتراها لامعة، ولمعانها دليل النقص، وإن كان يسيرا.
وفي فرنسا، نموذج للياردة وللمتر من معدن لا يتآكل، جعلت كمرجع يقاس عليه، وتضبط عليه آلات القياس.
ورأينا الآن آلات دقيقة جدا للوزن وللقياس، تضمن لك منتهى الدقة، خاصة في وزن الأشياء الثمينة ؛ لذلك نراهم يضعون الميزان الدقيق في صندوق من الزجاج، حتى لا تؤثر فيه حركة الهواء من حوله.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير