فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين٣٢
إلقاء العصا له في القرآن ثلاث مراحل : الأولى : هي التي واكبت اختيار الله لموسى ليكون رسولا، حين قال له : وما تلك بيمينك يا موسى١٧ ( طه ) وقلنا : إن موسى عليه السلام أطال في إجابة هذا السؤال لحرصه على إطالة مدة الأنس بالله-عز وجل- فقال : هي عصاي أتوكأ عليها وأهش١ بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى١٨ ( طه )
فالعصا في نظر موسى –عليه السلام- عود من الخشب قريب عهد بأصله، كغصن في شجرة، لكنها عند الله لها قصة أخرى : قال ألقها يا موسى ١٩ فألقاها فإذا هي حية تسعى ٢٠ ( طه ).
وما صارت العصا عصا إلا بعد أن قطعت من شجرتها، وفقدت الحياة النباتية، وتحولت إلى جماد، فلو عادت إلى أصلها وصارت شجرة من جديد لكان الأمر معقولا، لكنها تجاوزت مرتبة النباتية، وتحولت إلى الحيوانية، وهي المرتبة الأعلى ؛ لذلك فزع منها موسى وخاف فطمأنه ربه :
قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى٢١ ( طه ).
وكانت هذه المرة بمثابة تدريب لموسى عليه السلام ؛ ليألف العصا على هذه الحالة، وكأن الله تعالى أراد لموسى أن يجري هذه التجربة أمامه، ليكون على ثقة من صدق هذه الآية، فإذا ما جاء لقاء فرعون ألقاها دون خوف، وهو واثق من نجاحه في هذه الجولة.
إذن : كان الإلقاء الثاني للعصا أمام فرعون وخاصته، ثم كان الإلقاء للمرة الثالثة أمام السحرة.
ومعنى ثعبان مبين٣٢ ( الشعراء ) يعني : بين الثعبانية، فيه حياة وحركة، وقال ثعبان مبين٣٢ ( الشعراء ) يعني : واضح للجميع ؛ لأنهم كانوا يجيدون هذه المسألة ويخيلون للناس مثل هذه الأشياء، ويجعلونها تسعى وتتحرك، ولم تكن عصا موسى كذلك، إنما كانت ثعبانا مبينا واضحا وحقيقيا لا يشك في حقيقته أحد.
والمتتبع للقطات المختلفة لهذه الحادثة في القرآن الكريم يجد السياق يسميها مرة ثعبانا، ومرة حية، ومرة جانا٢، لماذا ؟ قالوا، لأنها جمعت كل هذه الصفات : فهي في خفة حركتها كأنها جان، وفي شكلها المرعب كأنها حية، وفي التلوي كأنها ثعبان، والجان : فرخ الحية.
٢ وصفها بأنها:- ثعبان في آيتين: (الأعراف١٠٧)،(الشعراء٣٢).
-حية في آية واحدة: (طه٢٠).
- جان في آيتين: (النمل ١٠)،(القصص٣١)..
تفسير الشعراوي
الشعراوي