ﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥ

(وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْم) قال بعض العلماء: إن ذلك الأمر المرشد بعد غزوة أحد، ورويت في ذلك روايات إن صحت لم تعين أن يكون هذا النص في موضعها، ولكن الذي يتفق مع السياق، إن هذا النص بعد صلاة الخوف يدل على وجوب الاستمرار في القتال من غير وهَن ولا ضعف، وجوب الاستمرار في طلب مواطن الضعف في الأعداء، ليكون الغلب لكلمة الحق وكلمة الله سبحانه وتعالى، فالسياق على هذا يكون: إنكم إذا أديتم الصلاة، فاتجهوا من بعدها، وقد تسلحتم بذكر الله، إلى القتال.
ومعنى النص الكريم: لَا يصيبكم وهن، أي ضعف في همتكم وعزيمتكم، في ابتغاء العدو وطلبه، وتحرِّي موضع ضعفه والنيل منه، ولا تقعد بكم آلام الحرب عن متابعته، واللحاق به، فإن تكونوا قد أصابتكم جراح فقد أصابته، ولذا قال سبحانه:

صفحة رقم 1836

(إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) مرمى النص الكريم أنه لَا يصح أن تكون الجراح، وويلات الحرب وآلامها مثبطة لكم عن الاستمرار في طلب المعتدين وملاقاتهم؛ لأنه إن أصابكم من الجراح والآلام ما أصابهم، فهم يجرحون ويألمون من غير رجاء في الآخرة، ولم يوعدوا بالنصر المؤزر الباقي في الدنيا، ولا بالنعيم في الآخرة، فهم يألمون في غير أمل مرجو، وأنتم إن ألمتم، فلرجاء النصر ولرجاء النعيم، فأنتم أحق بالصبر، وأولى بأن تطلبوهم، ولا تهنوا وتضعفوا في طلبهم.
ويسوق الزمخشري النص الكريم مساقا فيه شبه لوم للمؤمنين، فيقول في تفسير قوله تعالى: (إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ): (أي ليس ما تكابدون من الألم بالجرح والقتل مختصا بكم، إنما هو أمر مشترك بينكم وبينهم، يصيبهم كما يصيبكم، ثم إنهم يصبرون عليه، ويتشجعون، فما لكم لَا تصبرون مثل صبرهم؛ لأنكم ترجون من الله ما لَا يرجون من إظهار دينكم على سائر الأديان، ومن الثواب العظيم في الآخرة).
ونحن نرى أن النص فيه تحريض على الصبر، ولا لوم فيه ولا شبه لوم، فما كان عند المشركين صبر كصبر المؤمنين، حتى يوازَنوا بهم ويحرصوا على مثل ما هم عليه.
وفى جعل رجاء المؤمنين من الله، في قوله تعالى: (وَتَرْجونَ مِنَ اللَّهِ)، إشعار للمؤمنين بأنهم في جانب الله تعالى، وأن رجاءهم عنده، وهو يجيب رجاء المؤمن ودعاءه، ويؤيده بنصره: (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِن عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيم)، وليس للمشركين من يرجون إلا أن يكون أصناما لَا تضر ولا تنفع!.
وإذا كان الرجاء من الله، فهو رجاء من العليم بكل شيء، الحكيم الذي يضع الأمور في مواضعها، وينصر من ينصره بحكمته، ولذا قال سبحانه: (وَكَانَ اللَّه عَلِيمًا حَكِيمًا) أي ثبت وتقرر أن العلم والحكمة من أسماء الله تعالى الحسنى،

صفحة رقم 1837

جلت قدرته، وإذا كان الله سبحانه وتعالى عليما حكيما، فإنه يعلم جهاد المؤمنين للحق، واعتداد المشركين بالباطل، وبمقتضى حكمته، لَا يستوي الصالح والمفسد، والمحق والمبطل، ولا يستوي عنده الذين يعلمون والذين لَا يعلمون، فالمؤِمنون إذ يرجون ما عنده، ويطلبون رضاه، يجدون العليم الحكيم: (واللَّهُ يؤَيِّدُ بِنصْرِه مَن يَشَاءُ...)، (كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا ورسُلِي...).
وإن العليم الحكيم هو الذي أنزل القرآن مشتملا على شريعته، ليكون القسطاس المستقيم، والحكم العدل، ولذا قال سبحانه:
* * *

صفحة رقم 1838

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة

الناشر دار الفكر العربي
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية