ﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥ

الغاية من القتال
ليس تحقيق العزة والمنعة والاستقلال أمرا يحدث بالصدفة أو المسالمة، وإنما لا بد من القيام بتضحيات نادرة، وبطولات خارقة، وحماية للحقوق وتوفير الهيبة بخوض معارك القتال، ورد عدوان المعتدين. وهذه حقيقة تاريخية ثابتة وهي أن نفوذ الكلمة للقوة والأقوياء، وأن الدمار والهلاك والهزيمة للضعفاء والجبناء.
لذا حرّض القرآن الكريم على قتال الأعداء عند وجود البغي والاعتداء، أو محاولة الانتقاص من كرامة الأمة، أو سلب بعض الحقوق، أو التغلب على بعض أجزاء البلاد، وتراب الوطن الغالي. قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) : آية ١٠٤]
وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٠٤)
«١» [النساء: ٤/ ١٠٤].
نزلت هذه الآية في أعقاب معركة أحد، حيث
أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بالخروج في آثار المشركين، وكان بالمسلمين جراحات، وقد أمر ألا يخرج معه إلا من كان في الوقعة، أي مشتركا في غزوة أحد.
يرشدنا الله تعالى إلى أنه لا يصح أن نضعف في قتال الأعداء ولا نتواكل، ونستعد للقتال دائما بعد الفراغ من الصلاة المفروضة، ولا نتردد في خوض المعارك الفاصلة مع الأعداء الذين ناصبونا العداء، وجاهروا بالبغضاء، وعلينا أن نطاردهم ونلاحقهم ونطلب البحث عن مخابئهم، وتدمير آلياتهم العسكرية وتخريب حصونهم ومعاقلهم.
ولا يصح بحال أن نتذرع أو نحتج بما يصيب بعضنا من حوادث القتل وآلام

(١) لا تضعفوا.

صفحة رقم 373

الجراح، فذلك أمر مشترك بين كل فريقين متحاربين، لأنهم بشر مثلنا يتألمون كما نتألم، ويصبرون على الشدائد والقتال كما نصبر، فما لنا لا نصبر ونحن أولى وأحق بالصبر والثبات وترك الفرار؟! ولكن يظل الفرق واضحا بين المؤمنين وغير المؤمنين في تحديد الغاية من القتال، وهي أن الأعداء يقاتلون على الباطل، والباطل زائل، ونحن نقاتل على الحق، والحق دائم خالد، والله وعدنا بالنصر، ووعد الأعداء بالهزيمة والغلبة، ولا ثواب ولا أجر لقتالهم، وقتلاهم في النار، ولنا الثواب العظيم في الآخرة، وقتلانا في الجنة، وليس لهم ملجأ يستمدون منه العون والنصر إلا الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، أو تحقيق الشعارات الباطلة التي ليس لها مستند شرعي صحيح، ونحن بعبادتنا الله وحده لا شريك له نلجأ إليه في طلب النصر والرحمة لأن الله هو القوي القاهر، ولأن النصر من عند الله وحده.
ونحن في قتالنا ننتظر إحدى الحسنيين: إما النصر، وإما الشهادة، وكان الله عليما بأحوالنا ونياتنا، حكيما فيما يأمرنا به، وينهانا عنه.
قال الله تعالى: قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا «١» وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا «٢» إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ «٣» وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢) [التوبة: ٩/ ٥١- ٥٢].
وكل هذه المرغبات برهان بيّن، وحجة قاطعة على أنه يجب أن تتقوى نفوس المؤمنين، وتخوض ميادين المعارك الحربية والقتال بجرأة وشجاعة، وبإقدام لا يعرف التردد والإحجام.

(١) أي ناصرنا.
(٢) أي تنتظرون.
(٣) أي النصر أو الشهادة والجنة. [.....]

صفحة رقم 374

وقد بشّر القرآن الكريم شهداء أمتنا بالجنة والرضوان في قول الله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) [آل عمران: ٣/ ١٦٩- ١٧١].
وروى أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحة عن معاذ ابن جبل رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «من قاتل في سبيل الله فواق ناقة «١»، فقد وجبت له الجنة، ومن سأل الله القتل من نفسه صادقا «٢» ثم مات، أو قتل، فإن له أجر شهيد، ومن جرح جرحا في سبيل الله، أو نكب نكبة، فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر «٣» ما كانت، لونها لون الزعفران، وريحها ريح المسك».
المساواة أمام القضاء
لا يعرف الإسلام في أحكامه وقضائه ومحاكمه التفرقة بين مسلم وغير مسلم، فالكل أمام الحق والعدل سواء، ولا محاباة لمسلم على حساب غير المسلم في أي مظهر أو وضع من مظاهر القضاء وأوضاعه.
والدليل القاطع على هذا: ما نزل في القرآن الكريم في شأن يهودي أراد المنافقون أن يلصقوا به تهمة سرقة ارتكبها بعضهم، وهي أن طعمة بن أبيرق من بني ظفر، سرق درعا من جار له في جراب دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق فيه، وخبأها عند زيد بن السمين من اليهود، فالتمسوا الدرع عند طعمة، فلم يجدوها وحلف

(١) هو ما بين رفع يدك عن الضرع حال الحلب ووضعها.
(٢) أي مخلصا لربه نيته.
(٣) أي أوفر وأكثر.

صفحة رقم 375

التفسير الوسيط

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر - دمشق
سنة النشر 1422
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية