وقيل في سبب تسميته ابراهيم خليل الله ان ابراهيم عليه السلام بعث الى خليل له بمصر في أزمة أصابت الناس يمتار منه فقال خليله:
لو كان ابراهيم يطلب الميرة لنفسه لفعلت ولكنه يريدها للاضياف فاجتاز غلمانه ببطحاء لينة، فملئوا منها الغرائر (أي العدول) حياء من الناس فلما أخبروا ابراهيم عليه السلام ساءه الخبر وحملته عيناه وعمدت امرأته الى غرارة منها فأخرجت أحسن حواري (أي دقيق) واختبزت واشتم ابراهيم رائحة الخبز فقال: من أين لكم؟ فقالت امرأته: من خليلك المصري فقال: بل من عند خليلي الله عز وجل فسماه الله خليلا.
[سورة النساء (٤) : آية ١٢٧]
وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً (١٢٧)
اللغة:
(يَسْتَفْتُونَكَ) : يطلبون منك الفتوى. والفتوى بفتح الفاء، والفتيا بضمها، والجمع الفتاوي بكسر الواو، ويجوز الفتاوى بفتحها للتخفيف.
الإعراب:
(وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ) الواو استئنافية، والجملة مستأنفة مسوقة للعودة الى ذكر النساء، وبقية ما يتعلق بهنّ من أحكام. ويستفتونك فعل مضارع وفاعل ومفعول به، وفي النساء متعلقان به، وقل فعل أمر وفاعله أنت، والجملة مستأنفة أيضا، والله مبتدأ، ويفتيكم فعل مضارع ومفعول به، والجملة خبر، وجملة الله يفتيكم في محل نصب مقول القول، وفيهن متعلقان بيفتيكم (وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ) لك أن تجعل الواو عاطفة فيكون اسم الموصول معطوفا على الله، أي: الله يفتيكم والمتلوّ في كتابه.
ولك أن تجعلها اعتراضية فتكون الجملة معترضة لا محل لها، وتكون «ما» مبتدأ خبره محذوف دل عليه ما قبله، أي: يفتيكم. وعليكم متعلقان بيتلى، وفي الكتاب متعلقان بمحذوف حال، وفي يتامى النساء متعلقان بمحذوف بدل من «فيهن». وإضافة «يتامى» الى «النساء» من باب اضافة الصفة الى الموصوف (اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ) اللاتي اسم موصول صفة للنساء، وجملة لا تؤتونهن صلة، وما اسم موصول مفعول به ثان، وجملة كتب صلة، ولهن متعلقان بكتب (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) عطف على تؤتونهن. وأن تنكحوهن مصدر مؤوّل منصوب بنزع الخافض وهو «في»، أي:
في أن تنكحوهن لجمالهن وما لهنّ، أو «عن»، أي: ترغبون عن نكاحهن لدمامتهن وفقرهن، فهو من الكلام الموجه كما سيأتي في باب البلاغة (وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ)
عطف على يتامى النساء ومن الولدان متعلقان بمحذوف حال (وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ) الواو عاطفة والمصدر المؤول مجرور عطفا على المستضعفين، أو تجعل المصدر منصوبا بنزع الخافض، فيكون الجار والمجرور متعلقين بمحذوف
معطوف على ما تقدم، أي: ويأمركم بأن تقوموا. ولليتامى متعلقان بمحذوف حال، وبالقسط متعلقان بتقوموا (وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً) الواو استئنافية، وما اسم شرط جازم مبتدأ، وتفعلوا فعل الشرط وعلامة جزمه حذف النون، ومن خير متعلقان بتفعلوا، والفاء رابطة، وجملة إن الله في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر «ما»، وجملة كان في محل رفع خبر «إن» وعليما خبر كان. وبه الجار والمجرور متعلقان ب «عليما».
البلاغة:
في هذه الآية الكلام الموجه، وهو الذي يحتمل معنيين متضادين، وقد سبقت الاشارة اليه، وذلك في قوله: «وترغبون أن تنكحوهن»، فهن إما جميلات أو دميمات حسب تقدير الجار. روي أن عمر بن الخطاب كان إذا جاءه ولي اليتيمة نظر فان كانت جميلة قال: زوجها غيرك. والتمس لها من هو خير منك، وإن كانت دميمة ولا مال لها قال: تزوجها فأنت أحق بها، وروى مسلم عن عائشة قالت: هذه اليتيمة تكون في حجر وليّها، فيرغب في جمالها ومالها، ويريد أن ينقص من صداقها، فنهوا عن نكاحهنّ إلا أن تقسطوا لهنّ في إكمال الصّداق، وأمروا بنكاح سواهن. قالت عائشة: فاستفتى الناس رسول الله ﷺ فأنزل الله عز وجل: «ويستفتونك في النساء» الى قوله: «وترغبون أن تنكحوهن» فبيّن لهم أن اليتيمة إذا كانت ذات جمال ومال رغبوا في نكاحها، ولم يلحقوها بسنّتها في إكمال الصداق، وإذا كانت مرغوبا عنها في قلة الجمال تركوها تركوها والتمسوا غيرها. هذا وقد تقدم القول في الكلام الموجه،
وبقي أن نقول: إن مما يحتمل المعنيين المتضادين قول النبي صلى الله عليه وسلم: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام» فهذا الحديث يستخرج منه معنيان ضدان:
أحدهما أن المسجد الحرام أفضل من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والآخر أن مسجد رسول الله ﷺ أفضل من المسجد الحرام بل تفضل ما دونها، بخلاف المساجد الباقية، فإن ألف صلاة تقصر عن صلاة واحدة فيه. ومن ذلك قول النبي ﷺ لأزواجه: «أطولكنّ يدا أسرعكن لحوقا بي». فلما مات صلوات الله عليه جعلن يطاولن بين أيديهن، حتى ينظرن أيتهنّ أطول يدا، ثم كانت زينب أسرعهن لحوقا به، وكانت كثيرة الصدقة، فعلمن حينئذ أنه لم يرد الجارحة وإنما أراد الصدقة. فهذا القول يدل على المعنيين المشار إليهما. ومن ذلك ما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فلم يقل لشيء فعلته لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله لم لا فعلته؟ وهذا القول يحتمل وجهين من التأويل، أحدهما وصف رسول الله ﷺ بالصبر على خلق من يصحبه، والآخر أنه وصف نفسه بالفطنة والذكاء فيما يقصده من الأعمال، كأنه متفطّن لما في نفس الرسول، فيفعله من غير حاجة الى استئذانه. ومن ذلك ما ورد في أحد الأدعية النبوية، فانه ﷺ دعا على رجل من المشركين فقال: «اللهمّ اقطع أثره» وهذا يحتمل ثلاثة أوجه من التأويل:
الأول أنه دعا عليه بالزّمانة، لأنه إذا زمن لا يستطيع أن يمشي على الأرض، فينقطع حينئذ أثره. الوجه الثاني: أنه دعا عليه بأن لا يكون له نسل من بعده ولا عقب. الوجه الثالث: أنه دعا عليه بأن لا يكون
له أثر من الآثار مطلقا، وهو أن لا يفعل فعلا يبقى أثره من بعده، كائنا ما كان، من عقب أو بناء أو غراس أو غير ذلك.
قصة خالد بن الوليد وعبد المسيح:
ومن ذلك ما يحكى عن عبد المسيح بن بقيلة لما نزل بهم خالد بن الوليد على الحيرة، وذلك أنه خرج اليه عبد المسيح بن بقلية، فلما مثل بين يديه قال: أنعم صباحا أيها الملك فقال له خالد:
- قد أغنانا الله عن تحيتك هذه بسلام عليكم، ثم قال له:
- من أين أقصى أثرك؟
قال: من ظهر أبي.
قال: فمن أين خرجت؟
قال: من بطن أمي.
قال: فعلام أنت؟
قال: على الأرض.
قال: ففيم أنت؟
قال: في ثيابي.
قال: ابن كم أنت؟
قال: ابن رجل واحد.
قال خالد: ما رأيت كاليوم قطّ، أنا أسأله عن الشيء وهو ينحو في غيره!
وهذا من توجيه الكلام على نمط حسن، وهو يصلح أن يكون جوابا لخالد عما سأل، وهو يصلح أن يكون جوابا لغيره مما ذكره عبد المسيح بن بقيلة.
توجيه طريف لافلاطون:
ومما يجري على هذا النهج ما يحكى عن أفلاطون أنه قال:
«ترك الدواء دواء»، فذهب بعض الأطباء أنه أراد: إن لطف المزاج وانتهى الى غاية لا يحتمل الدواء فتركه حينئذ والاضراب عنه دواء.
وذهب آخرون أنه أراد بالترك الوضع، أي وضع الدواء على الداء دواء. يشير بذلك الى حذق الطبيب في أوقات علاجه.
التوجيه المضاد في الشعر:
فاذا عدنا الى الشعر وأينا الفرزدق ينحو في شعره هذا النحو من التوجيه فيقول:
| إذا جعفر مرّت على هضبة الحمى | فقد أخزت الاحياء منها قبورها |
بيت لأبي تمام:
وعلى هذا ورد قول أبي تمّام:
| بالشعر طول إذا اصطكّت قصائده | في معشر وبه عن معشر قصر |
طال فلان على فلان أي فخر عليه.
بيت أبي كبير الهذليّ:
ومما ينتظم بهذا السلك قول أبي كبير الهذلي:
| عجبت لسعي الدهر بيني وبينها | فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر |
بيت أبي الطيب المتنبي:
ومن المعنى الدقيق في هذا الصدد قول أبي الطيب المتنبي في مديح عضد الدولة:
| لو فطنت خيله لنائله | لم يرضها أن تراه يرضاها |
وبين الحقيقة والمجاز:
وهذا كله لا يعدو الحقيقة، فإذا احتمل الحقيقة والمجاز وتجاذباه، بلغ أسمى درجات الإعجاز، وسيأتي في مواطنه. ولكننا حرصا على إتمام البحث نورد مثالا واحدا من الشعر، وفيه نرى المعنيين مجازيين كقول أبي تمام:
| قد بلونا أبا سعيد حديثا | وبلونا أبا سعيد قديما |
| ووردناه ساحلا وقليبا | ورعيناه بارضا وجميما |
| فعلمنا أن ليس إلّا بشق | النفس صار الكريم يدعى كريما |
السبب وغير السبب، فإن الساحل لا يحتاج في ورده الى سبب، والقليب يحتاج في ورده الى سبب، وكلا هذين المعنيين مجاز، فإن حقيقة الساحل والقليب غيرهما، والوجه هو الثاني لأنه أدلّ على بلاغة القائل، ومدح المقول فيه. أما بلاغة القائل فالسلامة من هجنة التكرير، والمخالفة بين صدر البيت وعجزه يدلّ على القليل والكثير، لأن البارض هو أول النبت حين يبدو، فإذا كثر وتكاثف سمي جميما، فكأنه قال:
أخذنا منه تبرعا ومسألة، وقليلا وكثيرا، وأما مدح المقول فيه فلتعداد حالاته الأربع في تبرعه وسؤاله، وإكثاره وإقلاله، وما في معاناة هذه الأحوال من المشاق. والكلام في هذا يطول، ولكنه كالحسن غير مملول.
الفوائد:
١- يقاس حذف الجار في أنّ وأن بشرط أمن اللبس، ويشكل عليه قوله تعالى: «وترغبون أن تنكحوهن» فحذف الجار هنا مع أن اللبس موجود، بدليل أن المفسرين اختلفوا في المراد، فبعضهم قدر «في» وبعضهم قدر «عن»، واستدل كلّ على ما ذهب اليه، وأجيب عنه بجوابين:
أ- أن يكون حذف الجر اعتمادا على القرينة الرافعة للّبس.
ب- أن يكون حذف لقصد الإبهام ليرتدع بذلك من يرغب فيهن لجمالهنّ ومالهنّ، ومن يرغب عنهن لدمامتهن وفقرهن.
فالاختلاف إذن في القرينة.
٢- أجازوا في يتامى النساء أوجها أخرى نوردها ترويضا للذهن
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين بن أحمد مصطفى درويش