الْآيَةُ السَّابِعَةُ وَالْخَمْسُونَ : قَوْله تَعَالَى : إنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلَّا قَلِيلًا . فِيهَا مِنْ الْأَحْكَامِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ :
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : وَإِذَا قَامُوا إلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى : يَعْنِي مُتَكَاسِلِينَ مُتَثَاقِلِينَ، لَا يَنْشَطُونَ لِفِعْلِهَا، وَلَا يَفْرَحُونَ لَهَا، وَقَدْ قَالَ صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْآثَارِ :«أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلَالُ ». فَكَانَ يَرَى رَاحَتَهُ فِيهَا.
وَفِي آثَارٍ آخَرَ :«وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ ». وَفِي الْحَدِيثِ :«أَثْقَلُ صَلَاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ الْعَتَمَةُ وَالصُّبْحُ » ؛ فَإِنَّ الْعَتَمَةَ تَأْتِي وَقَدْ أَنْصَبَهُمْ عَمَلُ النَّهَارِ، فَيَثْقُلُ عَلَيْهِمْ الْقِيَامُ إلَيْهَا، وَتَأْتِي صَلَاةُ الصُّبْحِ، وَالنَّوْمُ أَحَبُّ إلَيْهِمْ مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ، وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ قَدْرَ الصَّلَاةِ دُنْيَا وَلَا فَائِدَتَهَا أُخْرَى ؛ فَيَقُومُونَ إلَيْهَا بِغَيْرِ نِيَّةٍ إلَّا خَوْفًا مِنْ السَّيْفِ وَمَنْ قَامَ إلَيْهَا مَعَ هَذِهِ الْحَالَةِ بِنِيَّةِ إتْعَابِ النَّفْسِ وَإِيثَارِهَا عَلَيْهَا، طَالِبًا لِمَا عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَاَلَّذِي يَرَى رَاحَتَهُ فِيهَا مَعَ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : يُرَاءُونَ النَّاسَ :
يَعْنِي أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَهَا لِيَرَاهَا النَّاسُ وَهُمْ يَشْهَدُونَهَا لَغْوًا، فَهَذَا هُوَ الرِّيَاءُ الشِّرْكُ، فَأَمَّا إنْ صَلَّاهَا لِيَرَاهَا النَّاسُ يَعْنِي وَيَرَوْنَهُ فِيهَا، فَيَشْهَدُونَ لَهُ بِالْإِيمَانِ فَلَيْسَ ذَلِكَ الرِّيَاءَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَرَادَ بِهَا طَلَبَ الْمَنْزِلَةِ وَالظُّهُورِ لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ وَجَوَازِ الْإِمَامَةِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَرَجٌ، وَإِنَّمَا الرِّيَاءُ الْمَعْصِيَةُ أَنْ يُظْهِرَهَا صَيْدًا لِلدُّنْيَا وَطَرِيقًا إلَى الْأَكْلِ بِهَا، فَهَذِهِ نِيَّةٌ لَا تُجْزِئُ، وَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلَّا قَلِيلًا :
وَرَوَى الْأَئِمَّةُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :«تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ. تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ. يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ حَتَّى إذَا اصْفَرَّتِ الشَّمْسُ، وَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَي الشَّيْطَانِ، أَوْ عَلَى قَرْنَي الشَّيْطَانِ، قَامَ يَنْقُرُ أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إلَّا قَلِيلًا ». فَذَمَّهَا صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِلَّةِ ذِكْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِيهَا ؛ لِأَنَّهُ يَرَاهَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْجَبَلِ، فَيَطْلُبُ الْخَلَاصَ مِنْهَا بِظَاهِرٍ مِنْ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ فِيهَا مِنْ الذِّكْرِ فَرْضًا الْفَاتِحَةُ. وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ مِنْ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ إقَامَةُ الصُّلْبِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَالطُّمَأْنِينَةُ فِيهِمَا، وَالِاسْتِوَاءُ عِنْدَ الْفَصْلِ بَيْنَهُمَا.
فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ :«لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ مَنْ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ »، وَعَلَّمَ الْأَعْرَابِيَّ عَلَى مَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ فَقَالَ لَهُ :«فَارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَافِعًا، ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِك كُلِّهَا ».
وَذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّ الطُّمَأْنِينَةَ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عِرَاقِيَّةٌ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ الْمَالِكِيِّينَ أَنْ يَشْتَغِلَ بِهَا، فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ شَيْءٌ يُعَوِّلُ عَلَيْهِ سِوَاهَا ؛ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْقُرَهَا نَقْرَ الْغُرَابِ، وَلَا يَذْكُرُ اللَّهَ بِهَا ذِكْرَ الْمُنَافِقِينَ، وَقَدْ بَيَّنَ صَلَاةَ الْمُنَافِقِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَبَيَّنَ صَلَاةَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَمَنْ خَشَعَ خَضَعَ وَاسْتَمَرَّ، وَلَمْ يَنْقُرْ وَلَا اسْتَعْجَلَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ فَيَقْتَصِرَ عَلَى الْفَرْضِ الَّذِي قَدْ بَيَّنَّاهُ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ ذَكَرَ صَلَاةَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالَ :«هَذَا أَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُوجَزَةٌ فِي تَمَامٍ ».
أحكام القرآن
ابن العربي