ﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊ

ويقول الحق بعد ذلك :
{ إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا( ١٤٢ ).
نعرف واقع المنافقين أنهم يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر ويوضح الحق : إياكم أن تظنوا أن في قدرة مخلوق أن يفعل شيئا بدون علم الله، وقد يمكر إنسان بك، وهو يعلم أنك تعلم بمكره فهل هذا مكر ؟ لا، لأن المكر هو الأمر الذي يتم خفية بتدبير لا تعلمه، والأصول في المكر ألا يعلم الممكور به شيئا والمنافقون حين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر يخادعون من يعلم خافية الصدور. وكان يجب أن يأخذوا درسا من معاملة الله بوساطة المؤمنين لهم، فقد صان المؤمنون دم المنافقين ومالهم وأجرى المسلمون على المنافقين أحكام الإسلام، لكن ما الذي يبيته الله لهؤلاء المنافقين ؟ لقد بيت لهم الدرك الأسفل من النار، فمن الأقدر إذن على الخداع ؟.
إن الذكي حقا هو من لا يخدع من يعلم أنه قادر على كشف الخداع، وكلمة " خدع " تعني مكر به مكرا فيبدي له قولا وفعلا ويخفي سواهما حتى يثق فيه، وبعد ذلك ينفذ المكر وهناك كلمة " خدع " وكلمة " خادع " والحق في هذه الآية لم يقل إن الله يخدعهم بل قال :" يخادعون الله وهو خادعهم ".
و " خادع " تعني حدوث عمليتين، مثل قولنا : قاتل فلان فلانا فالقتال يحدث بين طرفين وكذلك نقول : شارك فلان فلانا، لأن مادة " فاعل " تحتاج إلى طرفين لكن عندما نقول " قتل "، فالفعل يحدث من جانب واحد والخداع يبدأ من واحد، وعندما يرى الشخص الذي يراد خداعه أن خصمه أقوى منه فإنه يبيت له خداعا آخر، وتسمى العملية كلها " مخادعة "، ويقال : خادعه فخدعه إذا غلبه وكان أخدع منه ومن إذن الذي غلب ؟ إن الذي بيت الخداع ردا على خداع خصمه هو الغالب.
ولأن الخداع يحدث أولا، وبعد ذلك يتلقى " المخدوع " الأمر بتبييت أكبر، فهو " خادع "، والذي يغلب نقول عنه :" أخدعه "، أي أزال خداعه والله سبحانه وتعالى عاملهم بمثل ما أرادوا أن يعاملوا به المؤمنين فالمنافقون أظهروا الإيمان أولا وأضمروا الكفر، وأعطاهم الله في ظاهر الأمر أحكام المسلمين وفي الباطن قرر أن يعذبهم عذاب الكافرين بل وأشد من ذلك لأنهم سيكونون في الدرك الأسفل من النار.
" إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم " وإياك أيها المسلم أن تشتق من هذه العملية اسما لله وتقول " المخادع "، لأن أسماء الله توقيفية أي لا نسمي الله إلا بالأسماء التي سمى بها نفسه وسبحانه يفعل الفعل، لكن لا تأخذ من هذا الفعل اسما، والحق يعطينا هنا " مشاكلة " ليوضح لنا أن المنافقين يمكرون ويبيتون شرا للمؤمنين، وأنت أيها المسلم تعرف أن الإنسان إنما يبيت الشر على قدر طاقته التي مهما كبرت فهي محدودة بجانب طلاقة قدرة الله ولذلك يفضح الله هذا الشر المبيت من هؤلاء المنافقين وهم حين يمكرون فالله بطلاقة قدرته يمكر بهم أي يبطل مكرهم ويجازيهم على سوء فعلتهم ولا نقول :" " الله ماكر "، ولله أن يقول في الفعل المشاكل ما يشاء.
" إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ".
إن الغايات من الأحداث هي التي تضفي على الجوارح الإقبال على الأحداث، فإذا كنت تحب الحدث الذي تقبل عليه فأنت تقبل عليه بكل اشتياق ولهفة ويقيسون لهفة اللقاء لأنها درجة المحبة، والشاعر العربي يصف لقاء حبيب بحبيبته :

لقاء الاثنين يبين حده تلهف كيف واستطالة مدة
فلحظة اللقاء تبين ما بين الحبيبين من مودة، فإن كانت المسألة بينهما عشر خطوات فهما يسرعان باللهفة فيقطعان العشر الخطوات في ثلاث خطوات، وهذا معناه تقصيره زمن الابتعاد، وكذلك تظهر الكيفية التي يتم بها السلام درجة المودة فقد يسلم أحدهما على الآخر ببرود أو بنصف ود، أو بود كبير أو بود مصحوب بلهفة وأخذ متبادل بالأحضان، وكذلك المودة التي يحتضن كلاهما الآخر، هل هي دقيقة أو دقيقتان أو ثلاث ؟
إذن فالذي يبين قيمة الود : التلهف، الكيفية، المدة، وهذه العناصر الثلاثة أخذها الشعراء للتعبير عن المودة والحب بين البشر وقديما كان الذين يتيمون بالنساء يسترون في السلام مودتهم وفي الحضارة الغربية التي سقطت فيها قيم الأديان نجد أن الرجل يتلقى المرأة بالقبلات.
وفي بعض البلاد نجد الرجل يصافح المرأة، فهل يصافحها بتلهف وهل تبادله هذه اللهفة ؟ فإن وجدت الكف مفرودة ومبسوطة للمصافحة فقط فهذا سلام عادي أما إذا ثنى أحدهما إصبعه البنصر على كف الآخر فعليك أن ترى أي طرف هو الذي قام بثني أصبعه ليحتضن اليد كلها في يده، فإن كان ذلك من الرجل فاللهفة منه، وإن كان من المرأة فاللهفة منها، وإن كان من الاثنين فاللهفة منهما معا، ثم ما المدة التي يستغرقها بقاء اليد في اليد ؟
وقد يحلو لكليهما أن يتكلما معا رجل وامرأة وكأن الكلام قد أخذهما فنسي كل منهما يده في يد الآخر.
سلام نوعين يبين حده تلهف كيه واستطالة مدة
هكذا يقابل الإنسان الأحداث، فإن كان الحدث سارا فالإنسان يقبل عليه بلهفة، وإن كان غير ذلك فالإنسان يقوم إليه متثاقلا، وكان المنافقون يقومون إلى الصلاة بتثاقل وتكاسل :" وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى " كأنهم يؤدون الصلاة كستار يخفون به نفاقهم، ويستترون بها عن أعين المسلمين، ولم يكن قيامهم للصلاة شوقا إلى لقاء الله مثلما كان يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال رضي الله عنه طالبا منه أن يؤذن للصلاة :
" يا بلال أرحنا بالصلاة " ١.
لأن المؤمن يرتاح عندما يؤدي الصلاة، أما المنافق فهي عملية شاقة بالنسبة إليه لأنه يؤديها ليستتر بها عن أعين المسلمين ولذلك يقوم إليها بتكاسل. " وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا ".
هم يقيمون الصلاة أمام الناس ليخدعوا المسلمين وليشاهدهم غيرهم وهم يصلون، وفي الصلاة التي يراءون بها الناس لا يقولون كل المطلوب منهم لتمامها، يقولون فقط المطلوب قوله جهرا، كأن يقرأوا الفاتحة وبعض القرآن ولكنهم في أثناء الركوع لا يسبحون باسم الله العظيم وكذلك في السجود لا يسبحون باسم الله الأعلى.
ففي داخل كل منافق تياران متعارضان تيار يظهر به مع المؤمنين وآخر مع الكافرين والتيار الذي مع المؤمنين يجبر المنافق على أن يقوم إلى الصلاة ويذكر الله قليلا والتيار الذي مع الكافرين يجعله كسولا عن ذلك، ولا يذكر الله كثيرا.
وإذا ما حسبنا كم شيئا يجهر به المصلي وكم شيئا يجريه سرا، فسنجد أن ما يجريه المصلي سرا في أثناء الصلاة أكثر من الجهر ففي الركوع يقول : سبحان ربي العظيم ثلاث مرات ويقول : سبحان ربي الأعلى، في كل سجود ثلاث مرات، أما المنافق فلا يذكر الله إلا جهرا وهو ذكر قليل ونجد المنافق لا يفعل فعلا إلا إذا كان مرئيا ومسموعا من غيره، هذا هو معنى المراءاة، أما الأعمال والأقوال التي لا ترى من الناس ولا تسمع فلا يؤديها.
ولا يهز المجتمعات ولا يزلزلها ويهدها إلا هذه المراءاة، لأن الحق سبحانه يحب أن يؤدي المسلم كل عمل جاعلا الله في باله، وهو الذي لا تخفى عليه خافية ويلفتنا إلى هذه القضية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حيث يقول عن الإحسان :
" أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " ٢.
وإذا كان الإنسان يخجل من أن يغش واحدا مثله من البشر غشا ظاهريا فما بالنا بالذي يحاول غش الله وهو يعلم أن الله يراه ؟ ولماذا يجعل ذلك العبد ربه أهون الناظرين إليه ؟
وعندما يغش واحدا آخر واكتشف الآخر غشه فهو يعاقبه فما بالنا بغش الله ؟ ولذلك تجد الرسول صلى الله عليه وسلم ينقل لنا حال المرائي للناس فيقول : " إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله ؟ قال : الرياء، يقول الله عز وجل يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم الجزاء ؟ " ٣
وقال صلى الله عليه وسلم :
" إن المرائي ينادى عليه يوم القيامة " يا فاجر " " يا غادر " يا مرائي " ضل عملك وحبط أجرك فخذ أجرك ممن كنت تعمل له " ٤.
إذن فالمنافق إنما يخدع نفسه، هو يتظاهر بالصلاة ليراه الناس ويزكي ليراه الناس، ويحج ليراه الناس هو يعمل ما أمر الله به، لكنه لا يعمله لله، ولذلك قال القرآن "
والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب( ٢٩ ) ( سورة النور ).
وقال عن لون ثان من نفاقهم :
كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين ( من الآية٢٦٤سورة البقرة ).
والصفوان هو الحجر الأملس تماما وهو الذي ليس فيه خشونة، لأن الحجر إن كان به جزء من خشونة وعليه تراب ثم سقط عليه المطر، فالتراب يتخلل الخشونة أما الحجر الأملس فمن فور نزول المطر ينزلق من عليه التراب ومن يرائي المؤمنين عليه أن يأخذ أجره ممن عمل له.
١ رواه الإمام أحمد في مسنده.
.

٢ رواه مسلم من حديث جبريل.
.

٣ رواه أحمد والبيهقي في الشعب، والطبراني من رواية محمود بن لبيد عن رافع بن خديج.
.

٤ ابن أبي الدنيا وإسناده ضعيف..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير