المعنى الجملي : بين سبحانه في هذه الآيات أن للإيمان ركنين يبني عليهما ما عداهما ولا يقبل الإيمان بدونهما وهما الإيمان به وبجميع رسله بدون تفرقة بين رسول وآخر ومن أنكرهما أو أحدهما فقد كفر وعاقبته العذاب الأليم في جهنم وبئس القرار.
و بعد أن ذكر حال الفريقين السالفي الذكر ذكر حال فريق ثالث فقال :
والذين آمنوا بالله ورسوله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم أي والذين آمنوا بالله وجميع الرسل وعملوا بشريعة آخرهم علما منهم بأن جميعهم مرسل من عند الله وما مثلهم إلا مثل ولاة يرسلهم السلطان إلى البلاد ومثل الكتب التي جاؤوا بها مثل القوانين التي يصدر السلطان مراسيم للعمل بها فكل وال منهم وإنما ينفذ أوامر السلطان وكل قانون يعمل به لأنه منه وكل قانون جديد ينسخ ما قبله ويمنع العمل به وأولئك يؤتيهم الله أجورهم بحسب حالهم في العمل لأنهم وقد صح إيمانهم به وبرسله يهديهم إلى العمل الصالح إذ هو الأثر اللازم لذلك الإيمان الصحيح.
و لم يقل في هؤلاء إنهم هم المؤمنون حقا كما قال في أولئك هم الكافرون حقا لئلا يدور بخلد أحد أن كمال الإيمان يوجد بدون العمل الصالح فيغتر بذلك ويترك العمل النافع وهذا مما لا يتلاءم مع نصوص الدين فلقد وصف الله المؤمنين حقا بقوله : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ( الأنفال : ٢-٤ ).
وكان الله غفورا رحيما أي وكان الله غفورا لهفوات من صح إيمانه ولم يشرك بربه أحدا ولم يفرق بين أحد من رسله، رحيما به يعامله بالإحسان ويضاعف حسناته ويزيد على ما وعد تفضلا منه ورحمة.
تفسير المراغي
المراغي