هذا شأن الذين كفروا بالله ورسله، وفرقوا بينهم وما يدخر لهم، ويقابلهم المؤمنون حقا وصدقا وقال فيهم سبحانه : والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم .
ذكر الله سبحانه وتعالى أحوال المنافقين وما كانوا يصنعون مع المؤمنين وذكر سبحانه وتعالى ما تكنه نفوسهم وما هم عليه من تردد وتذبذب، ومع ذلك فتح الله سبحانه وتعالى باب التوبة لهم إن أرادوا أن يسلكوا المنهاج القويم المستقيم. ثم ذكر سبحانه وتعالى أن الجهر بالسوء إلا ممن ظلم لا يجوز، وأن إبداء الخير خير، وإخفاءه خير وأن الله تعالى مجاز به، وجاءت هاتان الآيتان بين ذكر المنافقين، ثم ذكر الكافرين من أهل الكتاب، وكثيرين من المنافقين منهم لبيان أن الجهر بالسوء لغير مصلحة لا يجوز، فإعلان سوء المنافقين كان ممن يظلمون ويتعدى إليهم شرهم، وفي هذه الآيات يبين الله تعالى حال بعض الكافرين وأسباب كفرهم ومآلهم وأحوال أهل الإيمان ونتائج إيمانهم فيقول سبحانه : إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون...
وصف الله سبحانه وتعالى المؤمنين حقا وصدقا بوصفين : الوصف الأول الإيمان بالله تعالى ورسله أجمعين، لا فرق بين رسول ورسول، إذ الجميع يؤدون رسالات ربهم ويبلغونها، والثاني أنهم لم يفرقوا في الإيمان بين رسول ورسول بل إن الجميع في موضع من نفوسهم، والإيمان من قلوبهم. ذلك أنه حق على المؤمن أن يؤمن بكل رسول أرسله الله تعالى، كما قال تعالى : قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون( ١٣٦ ) ( البقرة ).
فإذا كان محمد خاتم النبيين فرسالته متممة للرسالات، وهو آخر لبنة في صرح النبوة الإلهية.
وإذا كان المؤمنون حقا وصدقا هم الذين يذعنون لما أمر الله، ويصدقون برسالاته ويستجيبون لدعوة رسول الله وهم يناقضون الذين فرقوا بين رسله، فجزاؤهم لذلك مختلف، ولذا قال سبحانه في هذا الجزاء :
أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما الإشارة هنا إلى الذين آمنوا الموصوفين بالصفات السابقة وتكرار ذكرهم بالإشارة للتوكيد بأن الإذعان الكامل من غير استعلاء وجحود وحقد وعدم التفرقة بين الأنبياء وهو وحده الذي جعل لهم ذلك الجزاء، والأجر هنا هو الجزاء، وهي رحمة الله تعالى عليهم إذ جعل ذلك الثواب المقيم، والنعيم الدائم، جزاء العمل وهو أكبر من العمل، بل إن الأعمال ذاتها قد يكون فيها هفوات تستوجب الحساب ويتبعه العقاب، ولكن الله تعالى قرر في كتابه الكريم :... إن الحسنات يذهبن السيئات( ١١٤ ) ( هود ).
ولذلك ذيلت الآية بقوله تعالى : وكان الله غفور رحيما للدلالة على أن ذلك الثواب هو من فضل الله وسعة رحمته، وإن ذلك لأنه متصف بالغفران الدائم والرحمة الدائمة.
وقد أكد الله سبحانه وتعالى الجزاء والثواب بالتعبير بسوف الدالة على تأكيد الفعل في الزمن المستقبل. اللهم اغفر لنا وارحمنا فأنت خير الراحمين.
زهرة التفاسير
أبو زهرة