ﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞ

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٥٧:٤٤٤- في الإنجيل :" أن عيسى أخذ في حندس من الليل مظلم من بستان فشوهت صورته وغيرت محاسنه بالضرب والسحب وأنواع النكال " ١. ومثل هذه الحالة توجب اللبس بين الشيء وخلافه. فكيف بين الشيء وشبهه٢.
فمن أين للنصارى أو اليهود القطع بأن المصلوب هو عين عيسى عليه السلام دون شبهه، بل إنما يحسن الظن والتخمين كما قال الله تعالى : وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما .

-
قال يوحنا :" كان يوسع عليه السلام مع تلاميذه بالبستان فجاء اليهود في طلبه فخرج إليهم عليه السلام، وقال لهم : من تريدون ؟ قالوا : يسوع. وقد خفي شخصه عنهم. ففعل ذلك مرتين وهم ينكرون صورته " ٣. وذلك دليل الشبه ورفع عيسى عليه السلام، لا سيما قد حكى بعض النصارى أن المسيح عليه السلام قد أعطي قوة التحول من صورة إلى صورة.

-
قال متى :" بينما التلاميذ يأكلون طعاما مع يسوع عليه السلام قال : كلكم تشكُّون في هذه الليلة لأنه مكتوب أن أضرب الراعي فتفترق الغنم. فقال بطرس : لو شك جميعهم لم أشك أنا، فقال يسوع : الحق أقول لك : إنك في هذه الليلة تنكرني قبل أن يصيح الديك " ٤.
فقد شهد عليهم بالشك، بل على خيارهم بطرس فإنه خليفته عليهم، فقد انخرمت الثقة بأقوالهم وجزمهم بعدم إلقاء الشبه على غيره، وصح قوله تعالى : وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا إتباع الظن وما قتلوه يقينا .

-
ذكر لوقا " أن يهوذا الدال عليه لما بصر ما فعل به ندم ورد الدراهم٥ جميعا، وقال : أخطأت إذ بعت دما صالحا، فقالوا له : ما علينا أنت بريء، فألقى الدراهم في البيت إلى موضع خنق فيه نفسه " ٦.
فنقول : هذه الأناجيل ليست قاطعة في صلبه بل فيها اختلافات منها :

أ-
أنه يحتمل أن يهوذا كذب لهم في قوله : هو هذا. ويدل على وقوع ذلك ويقويه ظهور الندم بعد هذا، وقول المسيح له : يا صديق لم أقبلت ؟ ولو كان مصرا على الفساد لما سماه صديقا، ولأن الإنجيل شهد أن المسيح عليه السلام شهد للتلاميذ الاثني عشر بالسعادة، وشهادته حق، والسعيد لا يتم منه هذا الفساد العظيم إذا شرع فيه.
ويهوذا أحد الاثني عشر فيلزم إما أن يكون يهوذا ما دل، أو كون المسيح عليه السلام ما نطق بالصدق، أو أن كتابكم محرف. اختاروا واحدة من هذه الثلاثة.

ب-
ومنها أنه يحتمل أن المسيح عليه السلام ذهب في الجماعة الذين أطلقهم الأعوان وكان المتكلم معهم غيره ممن يريد أن يبيع من الله تعالى وقاية للمسيح عليه السلام، هذا ليس ببعيد في إتباع الأنبياء عليهم السلام، لا سيما إتباع الإله على زعمهم.

ج-
ومنها أن الأعوان اتخذوا عليه رشوة وأطلقوه كما أخذوا رداء الشاب المتقدم ذكره وأطلقوه. وإذا نقلتم أن يهوذا التلميذ مع جلالته قبل الرشوة على أن يعين على أخذه، فقبول الأعوان الرشوة في إطلاقه أقرب.

د-
ومنها أنه يحتمل أن الله صور لهم شيطانا أو غيره بصورته فصلبوه، ورفع المسيح عليه السلام. ويدل على ذلك أنهم سألوه فسكت٧، وفي تلك السكتة تغيبت تلك الصورة، وهذا ممكن والله على كل شيء قدير.
وأنتم ليس عندكم نصوص قاطعة بصلبه لما بينا فيها من الاختلاف، واليهود أيضا ليسوا قاطعين بذلك لأنهم إنما اعتمدوا على قول يهوذا٨. فأي ضرورة تدعوكم إلى إثبات أنواع الإهانة والعذاب في حق رب الأرباب على زعمكم أيها الدواب، الذي يفضي من ضعف عقولهم العجب العجاب :
عجبي للمسيح بين النصارى*** وإلى أي والد نسبوه
أسلموه إلى اليهود وقالوا*** إنهم بعد قتله صلبوه
وإذا كان ما يقولون حقا*** وصحيحا فأين كان أبوه
حين خلى ابنه رهين الأعادي*** أتراه أرضوه أم أغضبوه
فلئن كان راضيا أذاهم*** فاحمدوه لأنهم عذبوه
ولئن كان ساخطا فاتركوه*** واعبدوهم لأنهم غلبوه
وهذه الأبيات برهان قاطع على النصارى، لا يحتاج معها إلى شيء آخر. فلقد أصبحوا هزءة للناظر ومصنعة للمناظر، ولله سر في إبعادهم عن مقام الكرامة، وتخصيصهم تخصيص السخط والندامة لما طبعوا عليه من الجهالة والبلاهة. ( الأجوبة الفاخرة : ١٩٤ إلى ١٩٩ )

١ - إنجيل يوحنا: صح: ٢/٣-١٨. ولوقا: ٢٢/٦٣-٦٥. ومتى: ٢٦/٦٨. نقلا عن المحقق..
٢ - هذا الكلام رد على زعم النصارى الذين قالوا: "القول بإلقاء الشبه على غير عيسى عليه السلام يفضي إلى السفسطة والدخول في الجهالات وما لا يليق بالعقلاء" ن: الأجوبة الفاخرة: ١٩٠..
٣ - يوحنا: ٤/٨-١٨..
٤ - متى: ٢٦/٣١-٣٥..
٥ - قال القرافي: "إن في الإنجيل لمتى أن يهوذا دل على عيسى بثلاثين درهما دفعها إليه اليهود". ن: إنجيل متى: ٢٦/١٦..
٦ - متى: ٣/٥-٢٧..
٧ - ورد في متى: "فقام رئيس الكهنة وقال له: أما تجيب بشيء؟ ماذا يشهد به هذان عليك؟ وأما يسوع فكان ساكتا..." متى: ٢٦/٦٠-٦٢..
٨ - نشر إلى أن يهوذا المتحدث عنه في هذه النصوص هو رابع أبناء يعقوب من لينة وبه تسمت المملكة الشمالية، وكانت لها السلطة والزعامة- وظلمت مدة من الزمان حتى قضي عليها. ن: قاموس الكتاب المقدس: ١٠٨٥- ١٠٨٧..

جهود القرافي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير