ﭩﭪﭫﭬﭭﭮ ﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔ ﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞ

غُلْفًا جَمْعُ أَغْلَفَ وَهُوَ الْمُتَغَطِّي بِالْغِلَافِ أَيْ بِالْغِطَاءِ، وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا أَنَّهُمْ قَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَغْطِيَةٍ فَهِيَ لَا تَفْقَهُ مَا تَقُولُونَ، نَظِيرُهُ مَا حَكَى اللَّه فِي قَوْلِهِ وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ [فُصِّلَتْ: ٥].
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ.
فَإِنْ حَمَلْنَا الْآيَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ عَلَى التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ تَعَالَى كَذَّبَهُمْ فِي ادِّعَائِهِمْ أَنَّ قُلُوبَهُمْ أَوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ وَبَيَّنَ أَنَّهُ تَعَالَى طَبَعَ عَلَيْهَا وَخَتَمَ عَلَيْهَا فَلَا يَصِلُ أَثَرُ الدَّعْوَةِ وَالْبَيَانِ إِلَيْهَا، وَهَذَا يَلِيقُ بِمَذْهَبِنَا، وَإِنْ حَمَلْنَا الْآيَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ عَلَى التَّأْوِيلِ الثَّانِي كَانَ الْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ تَعَالَى كَذَّبَهُمْ فِي ادِّعَائِهِمْ أَنَّ قُلُوبَهُمْ فِي الْأَكِنَّةِ وَالْأَغْطِيَةِ، وَهَذَا يَلِيقُ بِمَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ، إِلَّا أَنَّ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ أَوْلَى، وَهُوَ الْمُطَابِقُ لِقَوْلِهِ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ: فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا أَيْ لَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا بِمُوسَى وَالتَّوْرَاةِ، وَهَذَا إِخْبَارٌ مِنْهُمْ عَلَى حَسَبِ دَعْوَاهُمْ وَزَعْمِهِمْ، وَإِلَّا فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَنْ يَكْفُرُ بِرَسُولٍ وَاحِدٍ وَبِمُعْجِزَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْإِيمَانُ بِأَحَدٍ مِنَ الرسل ألبتة.
[سورة النساء (٤) : آية ١٥٦]
وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً (١٥٦)
وَخَامِسُهَا: قَوْلُهُ: وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً.
اعْلَمْ أَنَّهُمْ لَمَّا نَسَبُوا مَرْيَمَ إِلَى الزِّنَا لِإِنْكَارِهِمْ قُدْرَةَ اللَّه تَعَالَى عَلَى خَلْقِ الْوَلَدِ مِنْ دُونِ الْأَبِ وَمُنْكِرُ قُدْرَةِ اللَّه عَلَى ذَلِكَ كَافِرٌ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ: كُلُّ وَلَدٍ وُلِدَ فَهُوَ مَسْبُوقٌ بِوَالِدٍ لَا إِلَى أَوَّلٍ، وَذَلِكَ يُوجِبُ الْقَوْلَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ وَالدَّهْرِ، وَالْقَدْحَ فِي وُجُودِ الصَّانِعِ الْمُخْتَارِ، فَالْقَوْمُ لَا شَكَّ أَنَّهُمْ أَوَّلًا: أَنْكَرُوا قُدْرَةَ اللَّه تَعَالَى عَلَى خَلْقِ الْوَلَدِ مِنْ دُونِ الْأَبِ، وَثَانِيًا: نَسَبُوا مَرْيَمَ إِلَى الزِّنَا، فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَبِكُفْرِهِمْ هُوَ إِنْكَارُهُمْ قُدْرَةَ اللَّه تَعَالَى، وَبِقَوْلِهِ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً نِسْبَتُهُمْ إِيَّاهَا إِلَى الزِّنَا، وَلَمَّا حَصَلَ التَّغَيُّرُ لَا جَرَمَ حَسُنَ الْعَطْفُ، وَإِنَّمَا صَارَ هَذَا الطَّعْنُ بُهْتَانًا عَظِيمًا لِأَنَّهُ ظَهَرَ عِنْدَ وِلَادَةِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ الْكَرَامَاتِ وَالْمُعْجِزَاتِ مَا دَلَّ عَلَى بَرَاءَتِهَا مِنْ كُلِّ عَيْبٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا [مَرْيَمَ: ٢٥] وَنَحْوَ كَلَامِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ حَالَ كَوْنِهِ طِفْلًا مُنْفَصِلًا عَنْ أُمِّهِ، فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ دَلَائِلُ قَاطِعَةٌ عَلَى بَرَاءَةِ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَامُ مِنْ كُلِّ رِيبَةٍ، فَلَا/ جَرَمَ وَصَفَ اللَّه تَعَالَى طَعْنَ الْيَهُودِ فِيهَا بِأَنَّهُ بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، وَكَذَلِكَ وَصَفَ طَعْنَ الْمُنَافِقِينَ فِي عَائِشَةَ بِأَنَّهُ بُهْتَانٌ عَظِيمٌ حَيْثُ قَالَ: سُبْحانَكَ هَذَا بُهْتانٌ عَظِيمٌ [النُّورِ: ١٦] وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّوَافِضَ الَّذِينَ يَطْعَنُونَ فِي عَائِشَةَ بِمَنْزِلَةِ الْيَهُودِ الذين يطعنون في مريم عليها السلام.
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٥٧ الى ١٥٨]
وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٥٨)
وَسَادِسُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ.

صفحة رقم 259

وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كُفْرٍ عَظِيمٍ مِنْهُمْ لِأَنَّهُمْ قَالُوا فَعَلْنَا ذَلِكَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا رَاغِبِينَ فِي قَتْلِهِ مُجْتَهِدِينَ فِي ذَلِكَ، فَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ كُفْرٌ عَظِيمٌ.
فَإِنْ قِيلَ: الْيَهُودُ كَانُوا كَافِرِينَ بِعِيسَى أَعْدَاءً لَهُ عَامِدِينَ لِقَتْلِهِ يُسَمُّونَهُ السَّاحِرَ ابْنَ السَّاحِرَةِ وَالْفَاعِلَ ابْنَ الْفَاعِلَةِ، فَكَيْفَ قَالُوا: إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّه؟
وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُمْ قَالُوهُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِهْزَاءِ كَقَوْلِ فِرْعَوْنَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [الشُّعَرَاءِ: ٢٧] وَكَقَوْلِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ لمحمد صلى اللَّه عليه وسلم: يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [الْحِجْرِ: ٦]، وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَضَعَ اللَّه الذِّكْرَ الْحَسَنَ مَكَانَ ذِكْرِهِمُ الْقَبِيحَ فِي الْحِكَايَةِ عَنْهُمْ رَفْعًا لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَمَّا كَانُوا يَذْكُرُونَهُ بِهِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا حَكَى عَنِ الْيَهُودِ أَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ قَتَلُوا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فاللَّه تَعَالَى كَذَّبَهُمْ فِي هَذِهِ الدَّعْوَى وَقَالَ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَفِي الْآيَةِ سُؤَالَانِ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ شُبِّهَ مُسْنَدٌ إِلَى مَاذَا؟ إِنْ جَعَلْتَهُ مُسْنَدًا إِلَى الْمَسِيحِ فَهُوَ مُشَبَّهٌ بِهِ وَلَيْسَ بِمُشَبَّهٍ، وَإِنْ أَسْنَدْتَهُ إِلَى الْمَقْتُولِ فَالْمَقْتُولُ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ.
وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ مُسْنَدٌ إِلَى الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ، وَهُوَ كَقَوْلِكَ: خُيِّلَ إِلَيْهِ كَأَنَّهُ قِيلَ: وَلَكِنْ وَقَعَ لَهُمُ الشَّبَهُ. الثَّانِي: أَنْ يُسْنَدَ إِلَى ضَمِيرِ الْمَقْتُولِ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَما قَتَلُوهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ الْقَتْلُ عَلَى غَيْرِهِ فَصَارَ ذَلِكَ الْغَيْرُ مَذْكُورًا بِهَذَا الطَّرِيقِ، فَحَسُنَ إِسْنَادُ شُبِّهَ إِلَيْهِ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: أَنَّهُ إِنْ جَازَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّه تَعَالَى يُلْقِي شَبَهَ إِنْسَانٍ عَلَى إِنْسَانٍ آخَرَ فَهَذَا يَفْتَحُ بَابَ السَّفْسَطَةِ، فَإِنَّا إِذَا رَأَيْنَا زَيْدًا فَلَعَلَّهُ لَيْسَ بِزَيْدٍ، وَلَكِنَّهُ أُلْقِيَ شَبَهُ زَيْدٍ عَلَيْهِ، وَعِنْدَ ذلك/ لا يبقى النكاح والطلاق والملك، وثوقا بِهِ، وَأَيْضًا يُفْضِي إِلَى الْقَدْحِ فِي التَّوَاتُرِ لِأَنَّ خَبَرَ التَّوَاتُرِ إِنَّمَا يُفِيدُ الْعِلْمَ بِشَرْطِ انْتِهَائِهِ فِي الْآخِرَةِ إِلَى الْمَحْسُوسِ، فَإِذَا جَوَّزْنَا حُصُولَ مِثْلِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ فِي الْمَحْسُوسَاتِ تَوَجَّهَ الطَّعْنُ فِي التَّوَاتُرِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ الْقَدْحَ فِي جَمِيعِ الشَّرَائِعِ، وَلَيْسَ لِمُجِيبٍ أَنْ يُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِزَمَانِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، لِأَنَّا نَقُولُ: لَوْ صَحَّ مَا ذَكَرْتُمْ فَذَاكَ إِنَّمَا يُعْرَفُ بِالدَّلِيلِ وَالْبُرْهَانِ، فَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ الدَّلِيلَ وَذَلِكَ الْبُرْهَانَ وَجَبَ أَنْ لَا يَقْطَعَ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَحْسُوسَاتِ وَوَجَبَ أَنْ لَا يَعْتَمِدَ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَأَيْضًا فَفِي زَمَانِنَا إِنِ انْسَدَّتِ الْمُعْجِزَاتُ فَطَرِيقُ الْكَرَامَاتِ مَفْتُوحٌ، وَحِينَئِذٍ يَعُودُ الِاحْتِمَالُ الْمَذْكُورُ فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ: وَبِالْجُمْلَةِ فَفَتْحُ هَذَا الْبَابِ يُوجِبُ الطَّعْنَ فِي التَّوَاتُرِ، وَالطَّعْنُ فِيهِ يُوجِبُ الطَّعْنَ فِي نُبُوَّةِ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَهَذَا فَرْعٌ يُوجِبُ الطَّعْنَ فِي الْأُصُولِ فَكَانَ مَرْدُودًا.
وَالْجَوَابُ: اخْتَلَفَتْ مَذَاهِبُ الْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَذَكَرُوا وُجُوهًا:
الْأَوَّلُ: قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ: إِنَّ الْيَهُودَ لَمَّا قَصَدُوا قَتْلَهُ رَفَعَهُ اللَّه تَعَالَى إِلَى السَّمَاءِ فَخَافَ رُؤَسَاءُ الْيَهُودِ مِنْ وُقُوعِ الْفِتْنَةِ مِنْ عَوَامِّهِمْ، فَأَخَذُوا إِنْسَانًا وَقَتَلُوهُ وَصَلَبُوهُ وَلَبَّسُوا عَلَى النَّاسِ أَنَّهُ الْمَسِيحُ، وَالنَّاسُ مَا كَانُوا يَعْرِفُونَ الْمَسِيحَ إِلَّا بِالِاسْمِ لِأَنَّهُ كَانَ قَلِيلَ الْمُخَالَطَةِ لِلنَّاسِ، وَبِهَذَا الطَّرِيقِ زَالَ السُّؤَالُ. لَا يُقَالُ: إِنَّ النَّصَارَى

صفحة رقم 260

يَنْقُلُونَ عَنْ أَسْلَافِهِمْ أَنَّهُمْ شَاهَدُوهُ مَقْتُولًا، لِأَنَّا نَقُولُ: إِنَّ تَوَاتُرَ النَّصَارَى يَنْتَهِي إِلَى أَقْوَامٍ قَلِيلِينَ لَا يَبْعُدُ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى أَلْقَى شَبَهَهُ عَلَى إِنْسَانٍ آخَرَ ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْيَهُودَ لَمَّا عَلِمُوا أَنَّهُ حَاضِرٌ فِي الْبَيْتِ الْفُلَانِيِّ مَعَ أَصْحَابِهِ أَمَرَ يَهُوذَا رَأْسُ الْيَهُودِ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ يُقَالُ لَهُ طَيْطَايُوسُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَيُخْرِجَهُ لِيَقْتُلَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ أَخْرَجَ اللَّه عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ سَقْفِ الْبَيْتِ وَأَلْقَى عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ شَبَهَ عِيسَى فَظَنُّوهُ هُوَ فَصَلَبُوهُ وَقَتَلُوهُ. الثَّانِي: وَكَّلُوا بِعِيسَى رَجُلًا يَحْرُسُهُ وَصَعِدَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْجَبَلِ وَرُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ، وَأَلْقَى اللَّه شَبَهَهُ عَلَى ذَلِكَ الرَّقِيبِ فَقَتَلُوهُ وَهُوَ يَقُولُ لَسْتُ بِعِيسَى. الثَّالِثُ: أَنَّ الْيَهُودَ لَمَّا هَمُّوا بِأَخْذِهِ وَكَانَ مَعَ عِيسَى عَشَرَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ لَهُمْ: مَنْ يَشْتَرِي الْجَنَّةَ بِأَنْ يُلْقَى عَلَيْهِ شَبَهِي؟ فَقَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَنَا، فَأَلْقَى اللَّه شَبَهَ عِيسَى عَلَيْهِ فَأُخْرِجَ وَقُتِلَ، وَرَفَعَ اللَّه عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. الرَّابِعُ: كَانَ رَجُلٌ يَدَّعِي أَنَّهُ مِنْ أَصْحَابِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَانَ مُنَافِقًا فَذَهَبَ إِلَى الْيَهُودِ وَدَلَّهُمْ عَلَيْهِ، فَلَمَّا دَخَلَ مَعَ الْيَهُودِ لِأَخْذِهِ أَلْقَى اللَّه تَعَالَى شَبَهَهُ عَلَيْهِ فَقُتِلَ وَصُلِبَ. وَهَذِهِ الْوُجُوهُ مُتَعَارِضَةٌ مُتَدَافِعَةٌ واللَّه أَعْلَمُ بِحَقَائِقِ الْأُمُورِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اعْلَمْ أَنَّ فِي قَوْلِهِ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ قَوْلَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُمْ هُمُ النَّصَارَى وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ بِأَسْرِهِمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْيَهُودَ قَتَلُوهُ، إِلَّا أَنَّ كِبَارَ فِرَقِ النَّصَارَى ثَلَاثَةٌ: النُّسْطُورِيَّةُ، وَالْمَلْكَانِيَّةُ، وَالْيَعْقُوبِيَّةُ.
أَمَّا النُّسْطُورِيَّةُ فَقَدْ زَعَمُوا أَنَّ الْمَسِيحَ صُلِبَ مِنْ جِهَةِ نَاسُوتِهِ لَا من جهة لا هوته، وَأَكْثَرُ الْحُكَمَاءِ يَرَوْنَ مَا يَقْرُبُ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ، قَالُوا: لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَيْسَ عِبَارَةً عَنْ هَذَا الْهَيْكَلِ بَلْ هُوَ إِمَّا جسم شريف مناسب فِي هَذَا الْبَدَنِ، وَإِمَّا جَوْهَرٌ رُوحَانِيٌّ مُجَرَّدٌ فِي ذَاتِهِ وَهُوَ مُدَبِّرٌ فِي هَذَا الْبَدَنِ، فَالْقَتْلُ إِنَّمَا وَرَدَ عَلَى هَذَا الْهَيْكَلِ، وَأَمَّا النَّفْسُ الَّتِي هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَالْقَتْلُ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ، لَا يُقَالُ: فَكُلُّ إِنْسَانٍ كَذَلِكَ فَمَا الْوَجْهُ لِهَذَا التَّخْصِيصِ؟ لِأَنَّا نَقُولُ: إِنَّ نَفْسَهُ كَانَتْ قُدُسِيَّةً عُلْوِيَّةً سَمَاوِيَّةً شَدِيدَةَ الْإِشْرَاقِ بِالْأَنْوَارِ الْإِلَهِيَّةِ عَظِيمَةَ الْقُرْبِ مِنْ أَرْوَاحِ الْمَلَائِكَةِ، وَالنَّفْسُ مَتَى كَانَتْ كَذَلِكَ لَمْ يَعْظُمْ تَأَلُّمُهَا بِسَبَبِ الْقَتْلِ وَتَخْرِيبِ الْبَدَنِ، ثُمَّ إِنَّهَا بَعْدَ الِانْفِصَالِ عَنْ ظُلْمَةِ الْبَدَنِ تتخلص إلى فسحة السموات وَأَنْوَارِ عَالَمِ الْجَلَالِ فَيَعْظُمُ بَهْجَتُهَا وَسَعَادَتُهَا هُنَاكَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذِهِ الْأَحْوَالَ غَيْرُ حَاصِلَةٍ لِكُلِّ النَّاسِ بَلْ هِيَ غَيْرُ حَاصِلَةٍ مِنْ مَبْدَأِ خِلْقَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى قِيَامِ الْقِيَامَةِ إِلَّا لِأَشْخَاصٍ قَلِيلِينَ، فَهَذَا هُوَ الْفَائِدَةُ فِي تَخْصِيصِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِهَذِهِ الْحَالَةِ.
وَأَمَّا الْمَلْكَانِيَّةُ فَقَالُوا: الْقَتْلُ وَالصَّلْبُ وَصَلَا إِلَى اللَّاهُوتِ بِالْإِحْسَاسِ وَالشُّعُورِ لَا بِالْمُبَاشَرَةِ.
وَقَالَتِ الْيَّعْقُوبِيَّةُ: الْقَتْلُ وَالصَّلْبُ وَقَعَا بِالْمَسِيحِ الَّذِي هُوَ جَوْهَرٌ مُتَوَلِّدٌ مِنْ جَوْهَرَيْنِ، فَهَذَا هُوَ شَرْحُ مَذَاهِبِ النَّصَارَى فِي هَذَا الْبَابِ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ.
القول الثَّانِي: إِنَّ الْمُرَادَ بِالَّذِينِ اخْتَلَفُوا هُمُ الْيَهُودُ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُمْ لَمَّا قَتَلُوا الشَّخْصَ الْمُشَبَّهَ بِهِ كَانَ الشَّبَهُ قَدْ أُلْقِيَ عَلَى وَجْهِهِ وَلَمْ يُلْقَ عَلَيْهِ شَبَهُ جَسَدِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلَمَّا قَتَلُوهُ وَنَظَرُوا إِلَى بَدَنِهِ قَالُوا:
الْوَجْهُ وَجْهُ عِيسَى وَالْجَسَدُ جَسَدُ غَيْرِهِ. الثَّانِي: قَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّ الْيَهُودَ حَبَسُوا عِيسَى مع عشرة مِنْ الْحَوَارِيِّينَ فِي

صفحة رقم 261

بَيْتٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ لِيُخْرِجَهُ وَيَقْتُلَهُ، فَأَلْقَى اللَّه شَبَهَ عِيسَى عَلَيْهِ وَرُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ، فَأَخَذُوا ذَلِكَ الرَّجُلَ وَقَتَلُوهُ عَلَى أَنَّهُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ/ قَالُوا: إِنْ كَانَ هَذَا عِيسَى فَأَيْنَ صَاحِبُنَا، وَإِنْ كَانَ صَاحِبَنَا فَأَيْنَ عِيسَى؟ فَذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ فِيهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: احْتَجَّ نُفَاةُ الْقِيَاسِ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَقَالُوا: الْعَمَلُ بِالْقِيَاسِ اتِّبَاعٌ لِلظَّنِّ، وَاتِّبَاعُ الظَّنِّ مَذْمُومٌ فِي كِتَابِ اللَّه بِدَلِيلِ أَنَّهُ إِنَّمَا ذَكَرَهُ فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَعَالَى وصف اليهود والنصارى هاهنا فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ بِهَذَا فَقَالَ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ وَقَالَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ فِي مَذَمَّةِ الْكُفَّارِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [الأنعام: ١١٦] وقال في آية أخرى وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً [يُونُسَ: ٣٦] وَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ مَذْمُومٌ.
وَالْجَوَابُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعَمَلَ بِالْقِيَاسِ اتباع الظن، فَإِنَّ الدَّلِيلَ الْقَاطِعَ لَمَّا دَلَّ عَلَى الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ كَانَ الْحُكْمُ الْمُسْتَفَادُ مِنَ الْقِيَاسِ مَعْلُومًا لَا مَظْنُونًا، وَهَذَا الْكَلَامُ لَهُ غَوْرٌ وَفِيهِ بحث.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَقِينُ عَدَمِ الْقَتْلِ، وَالْآخَرُ يَقِينُ عَدَمِ الْفِعْلِ، فَعَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ يَكُونُ الْمَعْنَى: أَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُمْ شَاكُّونَ فِي أَنَّهُ هَلْ قَتَلُوهُ أَمْ لَا، ثُمَّ أَخْبَرَ مُحَمَّدًا بِأَنَّ الْيَقِينَ حَاصِلٌ بِأَنَّهُمْ مَا قَتَلُوهُ، وَعَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي يَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّهُمْ شَاكُّونَ في أنه هل قتلوه؟ ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَتَلُوا ذَلِكَ الشَّخْصَ الَّذِي قَتَلُوهُ لَا عَلَى يَقِينٍ أَنَّهُ عِيسَى عليه السلام، بل حين ما قَتَلُوهُ كَانُوا شَاكِّينَ فِي أَنَّهُ هَلْ هُوَ عِيسَى أَمْ لَا، وَالِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ بَعْدَهُ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَهَذَا الْكَلَامُ إِنَّمَا يَصِحُّ إِذَا تَقَدَّمَ الْقَطْعُ وَالْيَقِينُ بِعَدَمِ الْقَتْلِ.
أَمَّا قَوْلُهُ: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ فَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ بإدغام الكلام فِي الرَّاءِ وَالْبَاقُونَ بِتَرْكِ الْإِدْغَامِ، حُجَّتُهُمَا قُرْبُ مَخْرَجِ اللَّامِ مِنَ الرَّاءِ وَالرَّاءُ أَقْوَى مِنَ اللَّامِ بِحُصُولِ التَّكْرِيرِ فِيهَا، وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ إِدْغَامُ الرَّاءِ فِي اللَّامِ لِأَنَّ الْأَنْقَصَ يُدْغَمُ فِي الْأَفْضَلِ، وَحُجَّةُ الْبَاقِينَ أَنَّ الرَّاءَ وَاللَّامَ حَرْفَانِ مِنْ كَلِمَتَيْنِ فَالْأَوْلَى تَرْكُ الْإِدْغَامِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْمُشَبِّهَةُ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ فِي إِثْبَاتِ الْجِهَةِ.
وَالْجَوَابُ: الْمُرَادُ الرَّفْعُ إِلَى مَوْضِعٍ لَا يَجْرِي فِيهِ حُكْمُ غَيْرِ اللَّه تَعَالَى كَقَوْلِهِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [الْبَقَرَةِ: ٢١٠] وَقَالَ تَعَالَى: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ [النِّسَاءِ: ١٠٠] وَكَانَتِ الْهِجْرَةُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي [الصَّافَّاتِ: ٩٩].
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: رَفْعُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى السَّمَاءِ ثَابِتٌ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ فِي آلِ عِمْرَانَ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا [آلِ عِمْرَانَ: ٥٥] وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ عَقِيبَ مَا شَرَحَ أَنَّهُ وَصَلَ إِلَى عِيسَى أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْبَلَاءِ وَالْمِحْنَةِ أَنَّهُ رَفَعَهُ إِلَيْهِ دَلَّ ذَلِكَ على أن رفعه إلى أَعْظَمُ فِي بَابِ الثَّوَابِ مِنَ الْجَنَّةِ وَمِنْ كُلِّ مَا فِيهَا مِنَ اللَّذَّاتِ الْجُسْمَانِيَّةِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ تَفْتَحُ عَلَيْكَ بَابَ مَعْرِفَةِ السَّعَادَاتِ الرُّوحَانِيَّةِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً.

صفحة رقم 262

مفاتيح الغيب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي

الناشر دار إحياء التراث العربي - بيروت
سنة النشر 1420
الطبعة الثالثة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية