تقدم في الآيات التي قبل هذه بيان حال الذين يكفرون بالله ورسله ويفرقون بينه تعالى وبين رسله فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض وهم أهل الكتاب الذين جعلوا الدين رياسة وعصبية، لا هداية إلهية، ثم بين هذه الآيات بعض أحوال الإسرائليين منهم في تعنتهم وتعجيزهم وجهلهم بحقيقة الدين.
وأما قوله تعالى : بل رفعه الله إليه فقد سبق نظيره في سورة آل عمران وذلك قوله تعالى : إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا [ آل عمران : ١٥٥ ] روي عن ابن عباس تفسير التوفي هنا بالإماتة كما هو الظاهر المتبادر وعن ابن جريح تفسيرها بأصل معناها وهو الأخذ والقبض والمراد منه ومن الرفع إنقاذه من الذين كفروا بعناية من الله الذي اصطفاه وقربه إليه. قال ابن جرير بسنده عن ابن جريج ( فرفعه إياه توفيه إياه وتطهيره من الذين كفروا ) أي ليس المراد الرفع إلى السماء لا بالروح والجسد ولا بالروح فقط. وعلى أن القول أن التوفي إماتة لا يظهر للرفع معنى إلا رفع الروح. والمشهور بين المفسرين وغيرهم أن الله تعالى رفعه بروحه وجسده إلى السماء ويستدلون على هذا الحديث المعراج إذ فيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رآه هو وابن خالته يحيى في السماء الثانية : ولو كان هذا يدل على أنه رفع بروحه وجسده إلى السماء لدل أيضا على رفع يحيى وسائر من رآهم من الأنبياء في سائر السماوات، ولم يقل بهذا أحد.
وذكر الرازي أن المشبهة يستدلون بالآية على إثبات المكان لله تعالى وذكر للرد عليهم وجوها منها : أن المراد ( برافعك إلي ) إلى محل كرامتي وجعل ذلك رفعا للتفخيم والتعظيم ومثله قوله تعالى حكاية عن إبراهيم إني ذاهب إلى ربي [ الصافات : ٩٩ ] وإنما ذهب من العراق إلى الشام ومنها : أن المراد إلى مكان لا يملك الحكم فيه عليه غير الله.
وقد فسرنا آية آل عمران في الجزء الثالث وذكرنا ما قاله الأستاذ الإمام فيها وفي مسألة نزول عيسى في آخر الزمان كما ورد في الأحاديث. وقد أنكر بعض الباحثين ما أوردناه في ذلك وهو يحتاج إلى تمحيص وبيان ليس التفسير بمحل له لأن القرآن لم يثبت لنا هذه المسألة.
وكان الله عليم حكيما فبعزته وهي كونه يقهر ولا يقهر، ويغلب ولا يغلب، أنقذ عبده ورسوله عيسى عليه السلام من اليهود الماكرين، والروم الحاكمين وبحكمته جزى كل عامل بعمله، فأحل باليهود ما أحل بهم وسيوفيهم جزاءهم في الآخرة.
إن مسألة الصلب من المساءل التاريخية التي لها نظائر وأشباه كثيرة، فقد كان الملوك والحكام يقتلون ويصلبون، وناهيك بالرومانيين وقسواتهم، واليهود وعصبيتهم، وقد قتل هؤلاء غير واحد من أنبيائهم أشهرهم زكريا ويحيى عليهما السلام. والفائدة في إثبات التاريخ لمثل هذه الوقائع لا تعدو العبرة بأخلاق الأمة ودرجة ضلالها وهدايتها وسيرة الحكام فيها. وقد كان اليهود في عصر المسيح تحت سلطان الروم ( الرومانيين ) والحاكم الروماني في بيت المقدس في ذلكم العهد ( ببلاطيس ) لم يكن يريد قتل المسيح، ولم يحفل بوشاية اليهود وسعايتهم فيه، ولا خاف أن يكون ملكا يزيل سلطان الروم عن قومه، هكذا تقول النصارى في كتبها، وإنما كانت اليهود تريد قتله عليه السلام لما دعا إليه من الإصلاح الذي يزحزحهم عن تقاليدهم المادية، لأنهم بقتل زكريا ويحيى قد أصيبوا بالضراوة بسفك دماء النبيين والمصلحين، فسواء صح خبر دعوى قتل عيسى وصلبه أم لم يصح، فلا صحته تفيدنا عبرة بحال أولئك القوم لم تكن معروفة، ولا عدمها ينقص من معرفتنا بأخلاقهم وتاريخ زمنهم.
نعم إن مسألة الصلب ليست في ذاتها بالأمر الذي يهتم بإثباته أو نفيه في كتاب الله عز وجل بأكثر من إثبات قتل اليهود النبيين بغير حق وتقريعهم على ذلك، لولا أن النصارى جعلوها أساس العقائد وأصل الدين، فمن فاته الإيمان بها فهو في الآخرة من الهالكين، ومن آمن بها على الوجه الذي يقولونه ويدعون إليه كان هو الناجي الفائز بملكوت السماء مع المسيح والرسل والقديسين. لأجل هذا كبر عليهم نفي القرآن العظيم لقتل المسيح وصلبه، وهم يوردون في ذلك الشبهات على القرآن والإسلام. لهذا رأينا أن نبين عقيدة الصلب عندهم، وشبهاتهم على نفيها مع الجواب عنها، وما يتعلق بذلك من المباحث المهمة.
عقيدة النصارى في المسيح والصلب
نرى دعاة النصارى في بلادنا قد جعلوا قاعدة دعوتهم وأساسها عقيدة صلب المسيح فداء عن البشر، فهذه العقيدة عندهم هي أصل الدين وأساسه والتثليث يليها. لأن أصل الدين وأساسه هو الذي يدعى إليه أولا، ويجعل ما عداه تابعا له. ولذلك كان التوحيد هو الأصل والأساس لدعوة الإسلام، ويليه الإيمان بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم واليوم الآخر، وكان أول شيء دعا إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو كلمة التوحيد ( لا إله إلا الله ) ودعا أهل الكتاب في كتبه إلى الإسلام بقوله عز وجل : يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون [ آل عمران : ٦٣ ] وبهذا أمره الله تعالى. فكان يكتفي في دعوته الأولى لمشركي العرب بتوحيد الألوهية لأن شركهم إنما كان في الألوهية بعبادة غير الله تعالى وهي اتخاذ أولياء يقربونهم إليه زلفى ويشفعون لهم عنده، بواسطتهم يدفع الله عنهم الضر ويسوق إليهم الخير كما كانوا يزعمون. وأما المشركون أهل الكتاب فكان قد طرأ على توحيدهم مثل هذا الشرك في الألوهية باتخاذ غيره من حواريه وغيرهم آلهة بالوساطة والشفاعة، وطرد عليه فوق ذلك الشرك في الربوبية بإتباعهم لأحبارهم ورهبانهم فيما يحلون لهم ويحرمون عليهم. فدعاهم صلى الله عليه وآله وسلم إلى توحيد الألوهية والربوبية معا. فلولا أن عقيدة الصلب والفداء هي أصل هذه الديانة النصرانية عند أهلها لما كانوا يبدءون بالدعوة إليها قبل كل شيء.
أما تقرير هذه العقيدة كما سمعنا من بعض دعاة البروتستانت في بعض المجامع العامة التي يعقدونها للدعوة في مدارسهم، وفي المجالس الخاصة التي اتفق لنا حضورها مع بعضهم، فهي أن آدم لما عصى الله تعالى بالأكل من الشجرة التي نهاه الله عن الأكل منها صار هو و جميع أفراده ذريته خطاة مستحقين للعقاب في الآخرة بالهلاك الأبدي- ثم إن جميع ذريته جاؤوا خطاة مذنبين فكانوا مستحقين للعقاب أيضا بذنوبهم كما أنهم مستحقون له بذنب أبيهم الذي هو الأصل لذنوبهم. ولما كان الله تعالى متصفا بالعدل والرحمة جميعا طرأ عليه ( سبحانه تعالى عن ذلك ) مشكل منذ عصى آدم. وهو أنه إذا عاقبه هو وذريته كان ذلك منافيا لرحمته فلا يكون رحيما ! ! وإذا لم يعاقبه كان ذلك منافيا لعدله فلا يكون عادلا ! ! فكأنه منذ عصى آدم كان يفكر في وسيلة يجمع بها بين العدل والرحمة ! ! فلم يهتد إلى ذلك سبيلا إلا منذ ألف وتسع مئة واثنتي عشرة سنة بالنسبة إلى سنتنا هذه ( سبحانه سبحانه ) وذلك بأن يحل ابنه تعالى الذي هو هو نفسه في بطن امرأة من ذرية آدم ويتحد بجنين في رحمها ويولد منها فيكون ولدها إنسانا كاملا من حيث هو ابنها وإلها كاملا من حيث هو ابن الله – وابن الله هو الله- ويكون معصوما من جميع معاصي بني آدم، ثم بعد أن يعيش زمنا معهم يأكل مما يأكلون منه ويشرب مما يشربون، ويتلذذ كما يتلذذون ويتألم كما يتألون، يسخر أعداءه لقتله أفظع قتله، وهي الصلب التي لعن صاحبها في الكتاب الإلهي، فيحتمل اللعن والصلب لأجل فداء البشر وخلاصهم من خطاياهم فقط بل لخطايا كل العالم أيضا سبحان ربك رب العزة عما يصفون [ الصافات : ١٨٠ ].
كنت مرة مارا بشارع محمد علي في القاهرة وأنا قريب عهد بالهجرة إليها فرأيت رجلا واقفا على باب المدرسية الإنكليزية فيه يدعو كل من مر أمامه : تفضلوا تعالوا اسمعوا كلام الله. ولما خصني بالدعوة أجبت فدخلت فإذا بناس على مقاعد من الخشب في رحبة المدرسة، فلما كثر الجمع قام أحد دعاة النصرانية فألقى نحو ما تقدم آنفا من العقيدة الصليبية. وبعد فراغه وحثه الناس على الأخذ بما قاله والإيمان به، ودعواه أن لا خلاص لهم بدونه، قمت فقلت إذا كنتم قد دعوتمونا إلى هذ المكان لتبلغونا هذه الدعوة شفقة علينا ورحمة بنا، فأذنوا لي أن أبين لكم موقعها من نفسي، فأذن لي القس بالكلام فوقفت في موقف الخطابة وأوردت عليهم ما يترتب على هذه الدعوة من العقائد الباطلة والقضايا المتناقضة التي سأبينها هنا، وطلبت الجواب عنها، فكان الجواب أن هذا المكان خاص بالوعظ والكرازة دون الجدال، فإن كنت تريد الجدال والمناظرة فموضعهما المكتبة الإنكليزية، فلما سمع المسلمون الحاضرون هذا الجواب صاحوا : لا إله إلا الله محمد رسول الله وانصرفوا. أما ما يؤخذ من هذه العقيدة وما يترتب عليها فدونكه بالاختصار :
ما يرد على عقيدة الصلب
١- لا يمكن أن يقبل هذه القصة من يؤمن بالدليل العقلي أن خالق العالم لا بد أن يكون بكل شيء عليما، وفي كل صنعه حكيما، لأنها تستلزم الجهل والبدء على الباري عز وجل، كأنه حين خلق آدم ما كان يعلم ما يكون عليه أمره، وحين عصى ما كان يعلم ما يقتضيه العدل والرحمة في شأنه، حتى اهتدى إلى ذلك بعد ألوف من السنين مرت على خلقه، كان فيها جاهلا كيف يجمع بين تينك الصفتين من صفاته، وواقعا في ورطة التناقض بينهما، ولكن قد يقبلها من يشترط في الدين عندهم أن لا يتفق مع العقل، وأن يأخذ صاحبه بكل ما يسند إلى من نسب إليهم عمل العجائب، ويقول آمنت به وإن لم يدركه، ولم تذعن له نفسه، ومن ينقلون في أول كتاب من كتبهم الدينية ( سفر التكوين ) هذه الجملة ( ٦ : ٦ فندم الرب أنه عمل الإنسان في الأرض وتأسف في قلبه ( تعالى الله عن ذلك كله علوا كبيرا ).
٢- يلزم من يقبل هذه القصة أن يسلم ما يحيله كل عقل مستقبل من أن خالق الكون يمكن أن يحل في رحم امرأة في هذه الأرض التي نسبتها إلى سائر ملكه أقل من نسبه الذرة إليها وإلى سمواتها التي ترى منها، ثم يأخذه أعداؤه بالقهر والإهانة فيصلبوه مع اللصوص ويجعلوه ملعونا بمقتضى حكم كتابه لبعض رسله ( تعالى الله عن ذلك كله علوا كبيرا ).
٣- تقتضي هذه القصة أن يكون الخالق العليم الحكيم قد أراد شيئا بعد التفكير فيه ألوفا من السنين فلم يتم له ذلك الشيء، وذلك أن البشر لم يخلصوا وينجوا بوقوع الصلب من العذاب، فإنهم يقولون إن خلاصهم متوقف على الإيمان بهذه القصة وهم لم يؤمنوا بها-لنا أن نقول إنه لم يؤمن بها أحد قط لأن الإيمان هو تصديق العقل وجزمه بالشيء والعقل لا يستطيع أن يدرك ذلك، والذين يقولون إنهم مؤمنون بها يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم تقليدا لمن لقنهم ذلك. فإن سمينا مثل هذا القول إيمانا، نقول إن أكثر البشر لا يقولونه بل يردونه بالدلائل العقلية، ومنهم من يرده أيضا بالدلائل النقلية، ومن دين ثبتت أصوله عندهم بالأدلة العقلية، ومنم من لم يعلموا بهذه القصة، ومنهم من يقول بمثلها لآلهة أخرى. فإذا عذبهم الله تعالى في الآخرة ولم يدخلهم ملكوته-كما تدعى النصارى- لا يكون رحيما على قاعدة دعاة الصلب والصليب، فكيف جمع بذلك بين العدل والرحمة ؟
٤- يلزم من هذه القصة شيء أعظم من عجز الخالق ( تعالى وتقدس ) عن إتمام مراده بالجمع بين عدله ورحمته، وهو انتفاء كل من العدل والرحمة في صلب المسيح لأنه عذبه من حيث هو بشر وهو لا يستحق العذاب لأنه لم يذنب قط، فتعذيبه بالصلب والطعن بالحراب-على ما زعموا- لا يصدر من عادل ولا من رحيم بالأحرى. فكيف يعقل أن يكون الخالق غير عادل ولا رحيم، أو يكون عادلا رحيما فيخلق خلقا يوقعه في ورطة الوقوع في انتفاء إحدى هاتين الصفتين، فيحاول الجمع بينهما فيفقدهما معا ؟ ؟
٥- إذا كان كل من يقول بهذه العقيدة ينجو من عذاب الآخرة كيفما كانت أخلاقه وأعماله، لزم من ذلك أن يكون أهلها إباحيين، وأن يكون الشرير المبطل الذي يعتدي على أموال الناس وأنفسهم وأعراضهم ويفسد في الأرض ويهلك الحرث والنسل، من أهل الملكوت الأعلى لا يعذب على شروره وخطيئاته ولا يجازى عليها بشيء. فله أن يفعل في هذه الدنيا ما يشاء هواه، وهو آمن من عذاب الله، -وناهيك بهذا مفسدا للبشر- وإذا كان يعذب على شروره وخطيئاته كغيره من غير الصليبين فما مزية هذه العقيدة ؟ وإذا كان له امتياز عند الله تعالى في نفس الجزاء فأين العدل الإلهي ؟
٦- ما رأينا أحدا من العقلاء ولا من علماء الشرائع والقوانين يقول إن عفو الإنسان عمن يذنب إليه، أو عفو السيد عن عبده الذي يعصيه، ينافي العدل والكمال، بل يعدون العفو من أعظم الفضائل، وترى المؤمنين بالله من الأمم المختلفة يصفونه بالعفو ويقولون إنه أهل للمغفرة، فدعوى الصليبيين أن العفو والمغفرة مما ينافي العدل مردودة غير مسلمة.
الجزاء والخلاص في الإسلام
يتوهم دعاة النصرانية من القياس على مذهبهم ومن الخرفات التي سرت إلى بعض عامة المسلمين أن الإسلام مبني على أن النجاة في الآخرة والسعادة الأبدية فيها إنما تكون ما يسمونه الفداء في عقيدة الصلب، وأن الفرق بين الإسلام والنصرانية إنما هو في الفادي، فهم يقولون إنه المسيح ونحن نقول إنه محمد ( عليهما الصلاة والسلام ) ولذلك يشككون عوام المسلمون في دينهم، بما يكتبون من سفسطة الجدل في صحفهم وكتبهم، وما يقولون في المجالس والمجامع بألسنتهم، ومداره على قولهم إن المسيح لم يخطئ قط وأن نبينا قد أذنب. والمذنب لا يستطيع أن ينقد من هو مثله من تبعة ذنبه، وإنما يستطيع ذلك من لم يذنب.
أما نحن المسلمين فلا نرد عليهم هذا بتخطئة هذه القاعدة فقط، ولا بتعجيزهم في إثبات دعواهم أن المسيح لم يقترف خطيئة بالدليل الع
تفسير المنار
رشيد رضا