ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍ

يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم ( ١٧٠ ).
٣٢٣- شبهة لفظية(١) وقعت لبعضهم، ظنا منه أن الكلمة حيثما أطلقت، يجب أن يكون المراد منها عين ما اصطلحوا عليه في أقانيمهم(٢)، لتصحيح ما يتعذر عليهم من إرادة ظاهره المتعددة بالذات.
وهذا وهم عظيم وعماية خيلت له أن هذا الاصطلاح الذي حملهم ما أشرنا إليه من الضرورة على أن ما قالوا به يجب أن يكون مرادا لأهل كل شريعة، فلذلك استدل على إلهية عيسى عليه السلام بما ورد في الكتاب العزيز وهو قوله عز من قائل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم .
فأحببت أن أكشف غطاء هذه الشبهة ليكون الناظر في هذا النص آمنا من الشبهات المضلة فأقول :
المولود إنما يتكون مسببا في سببين :
أحدهما : في الاثنيين، وهو أحد نوعي القوة المولدة، وهي القوة التي يصير الدم فيها بحال يكون بها مستعدا لقبول قوة الحياة من واهب الصور.
الثاني : القوة الموجودة في المني، إذا انتقل إلى الرحم وانضمت إليه سائر الشرائط، بأن يكون ماء دافقا صحيحا قويا لا فساد فيه ولا ضعف، ويكون الرحم صحيحا لا علة به، ولم يحصل للمرأة عقب الجماع حركة مزعجة عنيفة يحصل بها زلق المني من الرحم، فحينئذ يستعد لقبول القوة المصورة من واهب الصور، فإذا صار عنها تشكيلات الأعضاء، كان ذلك كونا للصورة العضوية، وفسادا للصورة المنوية، فيستعد حينئذ لقبوله الروح من واهبها.
هذا هو السبب العادي في تكوين كل مولود، وإذا ثبت ذلك فنقول : إن كل شيء له سبب قريب وسبب بعيد، فالأكثر إضافته إلى سببه القريب فيقال منذ رؤية الرياض الخضر، أنظر إلى صنع المطر، والله هو الصانع الحقيقي ولو رؤي نبات نضر على صلد، والشمس في الأسد، لقيل انظر إلى صنع الإله ! ! فيصرح بالسبب الحقيقي لفوات السبب العادي ! !.
وإذا وضع هذان الأصلان نقول : السبب القريب في حق عيسى عليه السلام، لما دل الدليل على عدم وقوعه أضيف تكوينه إلى السبب البعيد وهو الكلمة، لأن كل أحد مخلوق بكلمة الله القائل بها لكل مخلوق : كن (٣) فإذا هو كائن ! !
فلهذا السبب صرح في حقه بذلك، إشارة إلى انتفاء السبب القريب العادي، وأنه إنما كون الكلمة التي هي : كن (٤) من غير مني ! ! ! يمكن إضافة التكوين إليه على ما شرح.
ثم أوضح ذلك بقوله : ألقاها إلى مريم يريد أن الولد إنما يتكون من إلقاء المني إلى أمه، وهذا المولود لم يخلق إلا بإلقاء الكلمة إلى أمه التي هي عبارة عن الأم بالتكوين، فإذا الإلقاء مجازي.
وقد ورد مثل ذلك في حق آدم عليه السلام لما اشتركا في عدم التكوين عن الأسباب العادية حيث قال جل من قائل : ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي (٥) والله عز وجل لا يد له، وإنما المراد : خلقته بقدرتي، إشارة إلى أنه لم يكن من مني، وإنما كون بقدرته، يشير بذلك إلى فوات السبب العادي، وإذا فات السبب العادي أضيف إلى السبب البعيد المشبه بالحقيقي، وهو كلمة الله عز وجل، وقد أتى بالمماثلة صريحا فقال عز من قائل : إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون (٦) وكذلك قوله : وروح منه أي : وهو روح تكونها صادر عنه، منفكا عن الأسباب العادية التي يضاف إليها المسبب عادة، فالصلة في مكان الصفة للروح.
فإن قيل : تمام هذه الحجة فرع لكون الكلمة سببا، وسببها فرع لردها لقاعدة الشرط وما يترتب عليه من الجواب، وذلك ممتنع لما يلزم من عدم المغايرة بين المسبب وسببه.
قال الفارسي(٧) لو جاز أن يكون مثل ذلك جوابا لكان قوله تعالى : كن فيكون (٨) منزلا منزلة القائل : اذهب فيذهب.
وممتنع ذلك، إذ يصير تقدير الكلام بالرد إلى قاعدة الشرط : إن تكن تكن وإن تذهب تذهب، فيكون حينئذ السبب عن المسبب.
ولذلك أجمع القراء على الرفع فيما وقع الاحتجاج به من الآية السالفة، ولم يتابع الكسائي(٩) ابن عامر(١٠) إلا فيما أمكن أن يكون انتصابه، لا من جهة الجواب، بل من جهة العطف، وتلك المتابعة محصورة في آيتين :
الأولى قوله جل من قائل : إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (١١)
والثانية : قوله تعالى : إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقوله له كن فيكون (١٢)
وإذا كان الجواب ممتنعا فيما قرئ منصوبا ومرفوعا سقط الاحتجاج بالآية، وامتنع كون الآية سببا.
فأقول والله الموفق : إن هذه المباحثة عربية، وأهل العربية يجرون الأجوبة تارة على الألفاظ باعتبار معانيها، وتارة على صور الألفاظ المجردة عن معانيها، مثل ذلك قوله تعالى : أفلم يسيروا في الأرض فينظروا (١٣) وقع الجواب رتبا على صورة لفظ الاستفهام مجردا عن معناه. ومعنى الكلام : أنهم ساروا فنظروا، وذلك خبر محض ليس من الاستفهام في شيء.
فإن ظن أن إلغاء عاطفة لصلاحيتها مع حذف النون للعطف والجواب فكيف تجعل للجواب مع هذا الاحتمال ؟، مع دفع ذلك بما لا لبسة في كونه جوابا، وهو قوله جل من قائل " : أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب (١٤).
وإذا وضح ذلك ردت مسألتنا إلى هذه القاعدة، وكان الجواب جاريا على صيغة الأمر فقط، من غير تعرض لمعناه.
قال سيبويه : " شبهة ترتب الأمور على صيغة لفظ الأمر في العرف، بترتب المقدور على تأثير القدرة فيه، إذ أهل العرف يقضون على أن من أمر شخصا بالقيام، فأوجده عند أمره أن قيامه مسبب عن صيغة لفظ الأمر، وأن لفظ الأمر سبب لقيامه، وهو في الحقيقة مسبب عن الإرادة التي دلت صيغة الأمر عليها.
يدل على ذلك : أن السيد إذا أمر عبده أن يفعل فعلا، وعلم العبد أن السيد لا يريد منه فعل ما أمره به، فإذا فعله العبد عد مخالفا للسيد ملوما من جهته، فإن للمأمور سببان :
أحدهما حقيقي : وهو الإرادة، وهو السبب البعيد، والثاني : صيغة الأمر في العرف الدالة على الإرادة.
فتعود- حينئذ- القاعدة نفسها في إحالة الحكم على السبب القريب، فقد ثبت حينئذ –بما ذكرناه- أن أهل العرف يعدون الكلمة المأمور بها سببا ويحيلون الحكم عليها، ويجعلون ما يقع بعدها مسببا عنها، وإن كان له أسباب حقيقية أبعد منها، وذلك عين ما بيناه أولا.
وإنما تعلق مورد هذا الإشكال بصناعة عربية، وقد أمكن رد ذلك إلى قواعدها، فحينئذ يسقط الإشكال يقينا، ويسقط خيال من ظن أن قراءة " ابن عامر " فيما تتمحص الفاء فيه جوابا عسرة الرد إلى الأصول العربية وقواعدها، كقوله عز وجل سبحانه : وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (١٥) ونظائر ذلك مما انفرد بقراءته منصوبا، بل القراءة محجوبون من جهة بقوله تعالى : أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب (١٦) ولا وجه لإجماعهم على النصب، وجعل الفاء جوابا إلا إحالة على وجود صيغة الاستفهام فقط من غير نظر إلى معناها كما تقدم، وبهذا التقدير والإلزام لا يتجه على ابن عامر إشكال البتة ! !.
فليتأمل الناظر حسن هذا الإعراب والإغراب، معظما هذه الشريعة المحمدية المؤيدة بأفصح الأنبياء لهجة وأصدقهم حجة.

إذا نطقت جاءت بكل غريبة وإن سكتت جاءت بكل غريب
وليعجب من طائفة تتمسك بمثل هذا النص الواضح فهمه وتأويله !.
١ - الكلام هنا عمن يعتقد في إلهية عيسى عليه السلام..
٢ - الأقانيم : الأصول، واحدها أقنوم، قال الجوهري: وأحسبها رومية. ن اللسان (قنم)..
٣ - آل عمران: ٥٩..
٤ -آل عمران : ٥٩..
٥ -ص : ٧٥..
٦ - آل عمران : ٥٩..
٧ - هو نصر بن عبد العزيز بن أحمد بن نوح أبو الحسين الفارسي الشيرازي شيخ محقق، إمام مسند ثقة عدل، له كتاب "الجامع في القراءات العشر" مقري الديار المصرية ومسندها وألف فيهما كتاب الجامع، توفي سنة ٤٦١هـ. ن طبقات القراء: ٢/ ٣٣٦-٣٣٧..
٨ - آل عمران: ٥٩- والنحل: ٤٠ ويس ٨٢..
٩ - هو أبوا لحسن علي بن حمزة الكوفي بالكسائي أحد القراء السبعة وإمام الكوفيين في النحو واللغة، أخذ القراءة عن حمزة ثم اختار لنفسه قراءة، وأخذ النحو عن معاذ ثم عن الخليل، وأخذ عنه القراءات (ت١٨٩هـ) انظر: طبقات القراء: ١/٥٣٥ وبغية الوعاة ٢/١٠٢..
١٠ - هو عبد الله بن عامر بن يزيد بن تميم إمام أهل الشام في القراءة، والذي انتهت إليه مشيخة الإقراء بها، كان في زمن عمر بن عبد العزيز توفي بدمشق ١١٨هـ. انظر طبقات القراء ١/٤٢٣- ٤٢٤ وسير أعلام النبلاء ٥/ ٦٢..
١١ - يس : ٨٢..
١٢ - النحل : ٤٠..
١٣ - الحج : ٤٦..
١٤ - الحج : ٤٦..
١٥ - البقرة : ١١٧..
١٦ - الحج : ٤٦..

جهود الإمام الغزالي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي الشافعي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير