ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍ

بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ
أي يا أهل مكة قد جاءكم الرسول محمد صلّى الله عليه وسلّم بالقرآن أو متكلما بالدعوة إلى عبادة الله والإعراض عن غيره من عند ربكم فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ أي فآمنوا بالرسول يكن ذلك الإيمان خيرا لكم بما أنتم فيه أي يكن أحمد عاقبة من الكفر وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي وإن تكفروا بالرسول فإن الله غني عن إيمانكم، لا يتضرر بكفركم، ولا ينتفع بإيمانكم لأنه مالك السموات والأرض وخالقهما، ومن كان كذلك كان قادرا على إنزال العذاب الشديد عليكم لو كفرتم أو فمن كان كذلك فله عبيد يعبدونه وينقادون لأمره وحكمه، أو فمن كان كذلك لم يكن محتاجا إلى شيء وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً لا يخفى عليه من أعمال عباده المؤمنين والكافرين شيء حَكِيماً (١٧٠) لا يضيع عمل عامل منهم ولا يسوي بين المؤمن والكافر والمحسن والمسيء
يا أَهْلَ الْكِتابِ أي الإنجيل من النصارى لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ أي لا تبالغوا في تعظيم عيسى فإنه ليس بحق كما أن اليهود بالغوا في طعنه حيث قالوا: إنه ابن زانية وكلا طرفي قصدهم ذميم وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ أي لا تصفوه بما يستحيل اتصافه تعالى به من الاتحاد والحلول في بدن الإنسان أو روحه، واتخاذ الزوجة والولد بل نزهوه عن هذه الأحوال فإن نصارى أهل نجران أربعة أنواع:
ملكانية: وهم الذين قالوا: عيسى والرب شريكان.
ومرقوسية: وهم الذين قالوا: ثالث ثلاثة.
وماريعقوبية: وهم الذين قالوا: عيسى هو الله.
ونسطورية: وهم الذين قالوا: عيسى ابن الله، فأنزل الله فيهم هذه الآيات إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ ف «المسيح» مبتدأ و «عيسى» بدل منه أو عطف بيان له و «ابن مريم» صفة له ورسول الله خبر المبتدأ وَكَلِمَتُهُ أي مكون بأمره من غير واسطة أب ولا نطفة أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ أي أوصل الكلمة إليها بنفخ جبريل وَرُوحٌ مِنْهُ أي وروح صادر من أمر الله فصار ولدا بلا أب وقد جرت عادة الناس أنهم إذا وصفوا شيئا بغاية الطهارة والنظافة قالوا: إنه روح فلما كان عيسى لم يتكون من نطفة الأب وإنما تكون من نفخة جبريل وصف بأنه روح وقوله تعالى: مِنْهُ متعلق بمحذوف وقع صفة ل «روح». أي كائنة من عند الله وجعلت منه تعالى وإن كانت بنفخ جبريل لكون النفخ بأمره تعالى، و «من» ابتدائية لا كما زعمت النصارى من أنها تبعيضية.
حكي أن طبيبا حاذقا نصرانيا جاء للرشيد فناظر علي بن الحسين المروزي ذات يوم فقال له: إن في كتابهم ما يدل على أن عيسى جزء من الله وتلا هذه الآية. فقرأ المروزي وَسَخَّرَ لَكُمْ

صفحة رقم 244

ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ
[الجاثية: ١٣] فقال إذا يلزم أن يكون جميع تلك الأشياء جزاء منه تعالى فانقطع النصراني فأسلم وفرح الرشيد فرحا شديدا، وأعطى للمروزي عطاء عظيما فَآمِنُوا بِاللَّهِ واعتقدوا ألوهيته وحده وَرُسُلِهِ أجمعين وصفوهم بالرسالة ولا تصفوا واحدا منهم بالألوهية وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ أي الآلهة ثلاثة: الله، والمسيح، ومريم. ولا تقولوا: إن الله واحد بالجوهر ثلاثة بالأقانيم انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ أي انتهوا عن مقالتكم بالتثليث يكن ذلك الانتهاء خيرا لكم إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ
أي منفرد في ألوهيته سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ أي أسبحه تسبيحا من أن يكون له ولد أو سبحوه تسبيحا من ذلك.
وقرأ الحسن «إن يكون» بكسر الهمزة ورفع الفعل أي سبحانه ما يكون له ولد لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ فمن كان مالكا لهما وما فيهما كان مالكا لعيسى ومريم وإذا كانا مملوكين له فكيف يتوهم كونهما له ولدا وزوجة وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١) أي ربا للخلق فإنه كاف في تدبير المخلوقات وفي حفظ المحدثات فلا حاجة معه إلى إثبات إله آخرنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ
أي لن يترفع عن أن يكون عبدا له تعالى. أي مقرا بالعبودية لله مستمرا على عبادته وطاعته.
روي أن وفد نجران قالوا: يا محمد إنك تعيب صاحبنا فتقول: إنه عبدا لله فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم:
«إنه ليس بعار على عيسى أن يكون عبدا لله» قالوا: بلى، فنزلت:
ْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ.
وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه عبيدا لله بصيغة التصغير لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
أي ولا يستنكف الملائكة المقربون كحملة العرش أن يقروا بالعبودية لله. أي لن يستنكف المسيح عن عبادة الله تعالى بسبب أنه قادر على الإتيان بخوارق العادات من الإحياء والإبراء وعالم بالمغيبات مخبر عنها وممتاز عن سائر أفراد البشر بالولادة من غير أب وبالرفع إلى السماء فإن الملائكة المقربين أعلى حالا منه في العلم بالمغيبات لأنهم مطلعون على اللوح المحفوظ وأعلى حالا منه في القدرة، لأن أربعة منهم حملوا العرش على عظمته، وأنهم مخلوقون من غير أب وأم ومقارهم السموات العلى، ولا خلاف لأحد في علو درجتهم من هذه الحالات وإنما الخلاف في علوها من حيث كثرة الثواب على الطاعات، ثم إن الملائكة مع كمال حالهم في العلوم والقدرة لن يستنكفوا عن عبودية الله فكيف يستنكف المسيح عن عبوديته بسبب هذا القدر القليل الذي كان معه من العلم والقدرة مَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً
(١٧٢) أي ومن يترفع عن طاعته تعالى ويعد نفسه كبيرا، أي يعتقدها كذلك فإن الله يجمع المترفعين والمعتقدين أنفسهم كبيرة ومقابليهم- وهم غيرهم- إليه تعالى يوم القيامة حيث لا يملكون لأنفسهم شيئا

صفحة رقم 245

فيجازيهم فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ من غير أن ينقص منها شيئا أصلا وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بتضعيفها أضعافا كثيرة وبإعطاء ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، أي على وجه التفصيل وإنما يخطر نعيم الجنان على قلوبنا، ونسمعه من ألسنة على وجه الإجمال. وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا عن عبادته تعالى وَاسْتَكْبَرُوا أي عدوا أنفسهم كبيرة فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً بما وجدوا من لذاذة الترفع والتكبر وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا يلي مصالحهم وَلا نَصِيراً (١٧٣) ينجيهم من عذاب الله يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ أي رسول مِنْ رَبِّكُمْ وهو محمد صلّى الله عليه وسلّم وإنما سماه برهانا لأن حرفته إقامة البرهان على تحقيق الحق وإبطال الباطل وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (١٧٤) أي نيرا بنفسه منورا لغيره وهو القرآن وذلك بواسطة إنزاله على الرسول وسماه نورا لأنه سبب لوقوع نور الإيمان في القلب أي فمنهم من آمن ومنهم من كفر فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه وَاعْتَصَمُوا بِهِ أي بالله في أن يثبتهم على الإيمان ويصونهم عن نزغ الشيطان فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وهي الجنة ومنفعتها وَفَضْلٍ أي إحسان زائد كالنظر إلى وجهه الكريم والتعظيم وغير ذلك من مواهب الجنة وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً (١٧٥) وهو الإسلام والطاعة والسعادة الروحانية. والجار والمجرور في محل نصب حال من «صراطا»، والضمير المجرور عائد على «الله» بتقدير مضاف أي إلى ثوابه يَسْتَفْتُونَكَ أي يسألونك عن محمد عن الكلالة.
روى الشيخان عن جابر بن عبد الله قال: مرضت فأتاني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبو بكر يعوداني ماشيين فأغمي عليّ، فتوضأ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ثم صبّ علي من وضوئه فأفقت، فإذا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقلت: يا رسول الله كيف أصنع في مالي، كيف أقضي في مالي؟ فلم يرد عليّ شيئا حتى نزلت آية الميراث يَسْتَفْتُونَكَ الآيات.
وروى الطبري عن قتادة أن الصحابة أهمهم شأن الكلالة فسألوا عنها النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فأنزل الله هذه الآيات قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ وهو اسم يقع على الوارث وعلى الموروث، فإن وقع على الوارث فهو من سوى الوالد والولد، وإن وقع على الموروث فهو الذي مات ولا يرثه أحد من الوالدين ولا أحد من الأولاد إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ أي إن مات امرؤ غير ذي ولد ووالد وله أخت شقيقة أو من الأب فللأخت نصف ما ترك بالفرض والباقي للعصبة أولها بالرد إن لم يكن له عصبة وَهُوَ أي المرء الكلالة يَرِثُها أي يرث أخته جميع ما تركت إن فرض موتها مع بقائه إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ ذكر أو أنثى فإن كان لها أو له ولد ذكر فلا شيء له أو لها أو ولد أنثى فله أو لها الباقي من نصيبها فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ أي فإن كان من يرث بالأخوة أختين شقيقتين، أو من أب فصاعدا فلهما لأكثر الثلثان مما

صفحة رقم 246

ترك الميت من المال وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ أي وإن كان من يرث بطريق الأخوة أخوة مختلطة رجالا أشقاء، أو من أب ونساء شقيقات، أو لأب فللذكر منهم مثل نصيب الأنثيين يقتسمون التركة على طريقة التعصيب يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ قسمة الميراث أَنْ تَضِلُّوا أي لكيلا تخطئوا في قسمة الميراث. وقيل: المعنى يبين الله ضلالكم لتعلموا أن غير هذا البيان ضلال فتجتنبوه وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ من الأشياء المتعلقة بمحياكم ومماتكم عَلِيمٌ (١٧٦) أي مبالغ في العلم فيبين لكم ما فيه مصلحتكم ومنفعتكم.

صفحة رقم 247

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا

تحقيق

محمد أمين الضناوي

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت
سنة النشر 1417
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية