ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍ

وجاء الحق لهم بما يمكن أن يكون فتحا يدخلون فيه الإيمان بمنهج الرسول الخاتم ويكفرون عن أخطائهم مع أنبيائهم ومع محمد صلى الله عليه وسلم، يقول سبحانه :
يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خير لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا( ١٧١ ) :
يبدأ الحق بأمر موجه لأهل الكتاب : " لا تغلوا في دينكم " والغلو هو الخروج عن حد الاعتدال في الحكم، لأن كل شيء له وسط وله طرفان، وعندما يمسك شخص طرفا نطلب منه ألا يكون هناك إفراط أو تفريط وقد وقع أهل الكتاب في هذا المأزق، فلم يأخذوا الأمر بالاعتدال دون إفراط وتفريط لقد كفر اليهود بعيسى واتهموا مريم بالزنا، وهذا غلو في الكره، وغالى النصارى في الحب لعيسى فقالوا : إنه إله أو ابن إله أو ثالث ثلاثة، وهذا غلو ويطلب الحق منهم أن يقفوا من أمر الدين موقف الاعتدال : " لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق ".
إن أمر المنهج لا يحتاج إلى غلو، ولذلك جاء محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله بالدين الوسط الذي يضع كل أمر في نصابه وشرح لنا بإخبارات النبوة وإلهامها ما سوف يحدث للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد حدث ما تنبأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالخوارج كفروا عليا، والمسرفون بالتشيع قالوا : إنه نبي، وبعضهم زاد في الإسراف فجعله إلها.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي كرم الله وجهه : " إن فيك من عيسى مثلا أبغضته اليهود حتى بهتوا أمه وأحبته النصارى حتى أنزلوه المنزل الذي ليس له ".
وكما قال سيدنا علي كرم الله وجهه : " ألا وإنه يهلك في اثنان : محب يقرظني بما ليس في، ومبغض يحمله شنآني على أن يبهتني، ألا إني لست بنبي ولا يوحى إلي ولكني أعمل بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ما استطعت، فما أمرتكم من طاعة الله فحق عليكم طاعتي فيما أحببتم وكرهتم " (١).
وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عليا أن المحب الذي يغالي في حبه ليس مع علي وكذلك الكاره المبغض، فالذي يحب عليا بغلو جعل منه إلها أو رسولا، والذي أبغض عليا جعله كافرا وكذلك النصارى من أهل الكتاب جاءوا إلى عيسى فأحبوه بغلو وجعلوه إلها أو ابن إله أو ثالث ثلاثة، فيقول لهم الحق : " لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله "، وقوله الحق :" عيسى ابن مريم رسول الله "، رد على غلو اليهود الذين رفضوا الإيمان بعيسى، وقالوا في عيسى وأمه البهتان العظيم.
وقوله الحق عن عيسى ابن مريم : " رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه "، رد على غلو النصارى الذي نصبوا إلها أو جعلوه ابنا لله أو ثالث ثلاثة فعيسى عليه السلام هو ابن مريم وعندما بشرها به الحق وقالت : أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ( من الآية٤٧سورة آل عمران ) :
قالت ذلك بفطنة الصديقية التي جعلتها تنبه إلى أنها لم يمسسها بشر، ومادام الحق قد نسبه إليها فليس له أب، سيولد عيسى دون أن يمسسها بشر، ويوضح سبحانه ذلك عندما يقول : " إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه " فعيسى روح من الحق، لأنه سبحانه قال : فنفخنا فيها من روحنا ( من الآية٩١سورة الأنبياء ) :
وما معنى " كلمته " ؟ هذا القول يدل على أن الروح نفخت ثم جاءت كلمة " كن " التي قال عنها سبحانه :
إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ( من الآية٤٧سورة آل عمران ) :
لقد احتاج وجود عيسى إلى أمرين : " روح " و " كن " والشبهة عند النصارى مردها إلى أن عنصر الذكورة لم يلمس مريم، وقالوا : مادام الله قد قال : إن عيسى روح منه فهو جزء من الله، ونسوا أن كل شيء من الله، وسبحانه القائل :
وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه ( من الآية١٣سورة الجاثية )
فهل هذا يعني أن " الأرض قطعة من الله وكذلك الشمس ؟ لا، فإذا كانت الشبهة قد جاءت من غياب عنصر الذكورة مع وجود عنصر الأنوثة لكان من الواجب منطقيا أن تكون الشبهة في آدم قبل أن تكون الشبهة في عيسى، لأن آدم جاء من غير ذكورة ولا أنوثة، فلا أب ولا أم له، لقد قال القرآن بمنتهى البساطة ومنتهى الوسع :
إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون( ٥٩ ) ( سورة آل عمران ).
ولا يملك أحد القيد على فضل الله ووسعه، ومسألة آدم كانت أدق لكن الله بتفضله يساوي بين خلق عيسى وخلق آدم، وهذا هو التلطف في الجدل، وأخبرنا سبحانه عن عيسى أنه جاء بأمر منه وقال في آدم : فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ( من الآية٢٩سورة الحجر ) :
إذن فآدم قد احتاج إلى الأمرين نفسيهما :" كن "، و " النفخ فيه من الروح "، وعندما ننظر إلى هذه المسألة نجد أننا لا بد أن نتعرض لقضية خلق آدم، حتى نعرف كيف تسلسلت مسألة الخلق، سواء أكان الخلق ملائكة أم خلق آدم أم خلق حواء أم غيرهم من الخلق، كذلك خلق عيسى، لقد كان خلق آدم غيبا عن آدم وليس لآدم نفسه ولا لمن جاء بعده أن يتكلم كيف خلق لأن هذه مسألة لا دخل لأحد بها، ويقول لنا الحق محذرا من أن نستمع إلى قوم يقولون بغير ذلك عن الخلق فقال : ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا( ٥١ ) ( سورة الكهف ).
ولا يمكن إذن أن نستمع إلى هؤلاء الذين افترضوا أن أصل الإنسان قرد أو غير ذلك، لأن الذي يتكلم عن الخلق بغير علم من عند الله، فهو يتكلم في أمر لم يشهده، والخلق الأول أمر لا يمكن أن يدخل المعمل التجريبي، لأن المعمل التجريبي إنما يحلل مواد موجودة بالفعل، إذن فالحكم على أمور بغير ما أخبرنا بها الله أمر باطل، ولم يكن هناك أحد مع الله ساعة خلق الخلق ليقول لنا كيف تم ذلك، وعلمنا هذا المسائل بإخبار الخالق لنا فهو الأعلم بنا، والخالق أخبرنا أنه خلقنا من ماء وتراب وطين وحمأ مسنون وصلصال كالفخار، وحدثنا بذلك في آيات متعددة والذين يريدون أن يكذبوا القرآن يقولون : إن القرآن لم يأت بخبر واحد عن خلق الخلق، فمرة يقول إن الخلق كان من ماء ومرة كان من تراب ومرة كان من طين، ومرة كان من صلصال.
ونقول : أحين يتكلم الحق عن مراحل الخلق فهل في هذا تضاد ؟ أصل الخلق ماء، خلطه بتراب وبعد وضع الماء على التراب صار الاثنان طينا، ثم إذا تركنا الطين إلى أن يختمر يصير حمأ مسنونا، وبعد ذلك يصير صلصالا، ومن بعد ذلك خلق منه الحق آدم، إذن فكل شيء تكلم عنه سبحانه في خلق آدم إنما يتفق مع كل الآيات التي جاءت عن هذا الخلق وهو القائل عن آدم : فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ( من الآية٢٩سورة الحجر ) :
وبعد صنع الله القالب الذي يشبه التمثال الذي نراه ولكن تنقصه الحركة والحياة فيأتي النفخ في الروح بكلمة " كن "، إذن نحن نحتاج إلى روح وإلى كلمة، والروح عنصر وجودي وعندما تختلط بالقالب تحدث الحياة ولا بد من بعد ذلك من الإرادة بكلمة " كن "، ولذلك نجد الإنسان قد يصنع نفس خلطة الإنسان الكيماوية لكنها لا تصير إنسانا، لأن الأمر ينقص الإذن بميلاد الإنسان.
وساعة يتكلم الحق عن خلق آدم وهو أمر لم نشهده فذلك من رحمته بنا، ويترك لنا سبحانه في الكون دليلا على صدقه عن خلق آدم، فإذا كنا لم نشهد خلق الحياة فنحن نشهد نقيض الحياة وهو الموت، الذي يحدث فيه أولا خروج الروح، ومن بعد ذلك ينتفخ الجسم كأنه الحمأ المسنون، ثم يتبخر الماء، وبعد ذلك يتحلل إلى تراب هذه هي مراحل الموت التي تبدأ من خروج الروح ويتصلب الجسم إلى أن يرم ثم يتبخر الماء، وتبقى العناصر في الأرض.
وإذا كنا لم نعرف كيف بدأت الحياة، فنحن نعرف كيف انتهت الحياة أمامنا بالأمر المشهدي، وجعل سبحانه أمر انتهاء الحياة أمامنا دليلا على صدقه في إخبارنا بالحياة وكيف بدأت، لأن نقض الحياة يكون بالموت، ونقض أي شيء إنما يتم على عكس طريقة بنائه وآخر أمر دخل في الإنسان هو الروح ولذلك فهي أول ما يخرج من الإنسان عند الموت وبعد ذلك يتصلب الجسم، وبعد ذلك يصير رمة وهي الحمأ المسنون وبعد ذلك يتبخر الماء ويبقى أخيرا التراب.
وقد حللوا الإنسان حديثا فوجدوا فيه عناصر كثيرة ثم حللوا طينة الأرض الخصبة التي يخرج منها الزرع الذي يقتات منه الإنسان، فوجدوا هذه الطينة مكونة من هذه العناصر.
ومن العجيب أن العناصر المكونة للإنسان هي نفسها المكونة لطين التربة الخصبة، مما يدل على تأكيد الصدق في أن الله خلقنا من طين وجعل استبقاء حياتنا مما يخرج من هذا الطين بعناصره المختلفة، حتى يمد كل عنصر من الطين كل عنصر من الوجود الإنساني ولما قاموا بتحليل الإنسان مقارنا بتحليل التربة وجدوا أن أضخم عنصر في تكوين الإنسان هو الأكسجين ونسبته على ما أذكر سبع وستون بالمائة، وبعده عنصر الكربون، ونسبته على ما أذكر تسع عشرة بالمائة إلى أن تنتهي العناصر المكونة للإنسان والتربة إلى المنجنيز ونسبته تقل عن واحدة بالمائة، وأهم هذه العناصر هو :
الأوكسجين، الكربون، الهيدروجين، النتروجين، الكلور، الكبريت، الكالسيوم، والفوسفور والبوتاسيوم، والصوديوم الحديد اليود والسيلوز، والمنجنيز، هذه هي أهم وأكثر العناصر المكونة لتركيب الإنسان وهي العناصر نفسها الموجودة في تركيبة الطين وبعضها عناصر مكونة للمركبات العضوية وبعضها عناصر غير عضوية وبعضها عناصر وظائفها ثابتة ومعروفة ويسأل أهل الذكر في تفاصيل ذلك.
وبطبيعة الحال فالذين قاموا بتحليل التربة وعناصر الإنسان لم يكونوا علماء دين، ولم يكن في بالهم إقامة الدليل على صدق الله في القرآن، ذلك أن بعضهم يجهل مسألة القرآن كلها، ولكن الحق سبحانه وتعالى أجرى على لسان رسوله حديثا يشرح لنا حقيقة إثبات صحة كل ما فيه ولو جاء على لسان رجل فاجر، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر )(٢).
فسبحانه إذن أراد أن ينصر الدين بالكافرين، وجعل بعضا منهم يصلون إلى أشياء لو أنهم علموا أنها ستخدم قضايا الهدى لما أعلنوها. ومن حكمة الله أن جعل الكافرين غير قادرين على إغفال نصرة الدين، وجعل سبحانه بعضا منهم يخدمون الدين على رغم أنوفهم، ونريد أن نأخذ من هذه المسألة فهما عميقا يتسم باللطف والسماحة فإذا كان الله قد خلق الإنسان الأول من طين وهناك آية أخرى قال عنها الحق :
فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ( من الآية٢٩سورة الحجر ).
وآية ثالثة قال فيها سبحانه :
كن فيكون ( من الآية٤٧سورة آل عمران ).
إذن فخلق آدم احتاج إلى أمرين : النفخ من روح الحق، والأمر " كن "، وهما الأمران أنفسهما في مسألة خلق عيسى روح من الحق، وكلمته التي ألقاها إلى مريم، وهذه دليل صدق لقوله الحق :
إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ( من الآية٥٩سورة آل عمران ).
والحق قد نص لنا أنه خلق آدم من طين وصنع القالب وسواه بيديه :
قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي استكبرت أم كنت من العالين( ٧٥ )قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين( ٧٦ ) ( سورة ص ).
فإذا كان الهيكل الذي خلقه الله ونف

١ رواه الإمام أحمد في مسنده.
.

٢ رواه البخاري في الجهاد والقدر، ورواه مسلم في الإيمان ورواه أحمد، والدارمي في السيرة.
.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير