ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍ

٤٥٢- قال النصراني : إن القرآن الكريم ورد بأن عيسى عليه السلام روح الله تعالى وكلمته، وهو اعتقادنا.
والجواب من وجوه :
- أحدها : أن من المحال أن يكون المراد الروح والكلمة على ما تدعيه النصارى. وكيف يليق بأدنى العقلاء أن يصف عيسى عليه اللام بصفة وينادي بها على رؤوس الأشهاد، ويطبق بها الآفاق ثم يكفر من اعتقد تلك الصفة في عيسى عليه السلام، ويأمر بقتالهم وقتلهم، وسفك دمائهم وسبي ذراريهم، وسلب أموالهم، بل هو بالكفر أولى لأنه يعتقد ذلك مضافا إلى تكفير غيره والسعي في وجوه ضرره. وقد اتفقت الملل كلها، مؤمنها وكافرها، على أنه عليه السلام من أكمل الناس في الصفات البشرية خلقا وخلقا(١) وعقلا ورأيا، فإنها أمور محسوسة، إنما النزاع في الرسالة البانية، فكيف يليق به عليه السلام أن يأتي بكلام هذا معناه، ثم يقاتل معتقده ويكفره، وكذا أصحابه رضي الله عنهم والفضلاء من الخلفاء من بعده، فهدا برهان قاطع على أن المراد على غير ما فهمه هذا القائل وغير ما تعتقده النصارى.
- ثانيهما : أن الروح اسم للريح الذي بين الخافقين، يقال لها ريح وروح، لغتان، وكذلك في الجمع : رياح وأرواح، واسم جبريل عليه السلام، وهو المسمى بروح القدس(٢). والروح اسم للنفس المقومة للجسم الحيواني، والكلمة اسم للفظة المقيدة من الأصوات اسم للخبر من الكلام النفساني، ولذا يقال :
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما***جعل اللسان على الفؤاد دليلا(٣)
والعالم مطبق على أن نفس الإنسان تحدثه بالخير والشر. وتطلق الكلمة على الحروف الدالة على اللفظة من الأصوات، ولهذا يقال : " هذه الكلمة خط حسن، ومكتوبة بالخبر ". وإذا كانت الروح والكلمة لهما معان عديدة، فعلى أيهما يحمل هذا اللفظ ؟ وحكم النصراني اللفظ على معتقده حكم بمجرد الهوى المحض.
وثالثها : وهو الجواب بحسب الاعتقاد لا بحسب الإلزام أن معنى الروح المذكورة في القرآن الكريم في حق عيسى عليه السلام هو الروح بمعنى النفس المقوم لبدن الإنسان. ومعنى نفخ الله تعالى في عيسى عليه السلام من روحه أنه خلق روحا نفخها فيه، فإن جميع أرواح الناس يصدق أنها روح الله.
وروح كل حيوان هي روح الله تعالى، فإن الإضافة في لسان العرب تصدق حقيقة بأدنى الملابسة، كقوله أحد حاملي الخشبة الآخر : " طرفي مثل طرفك، وشل طرفك " يريد : طرف الخشبة. فجعله طرفا للحامل، ويقول : " طلع كوكب زيد "، إذا كان نجم عند طلوعه يسري بالليل. ونسبة الكوكب إليه نسبة المقارنة فقط. فكيف لا يضاف كل روح من الله تعالى وهو خالقها، ومدبرها في جميع أحوالها. وكذلك يقول بعض الفضلاء لما سئل عن هذه الآية فقال : نفخ الله تعالى في عيسى عليه السلام روحا من أرواحه، أي جميع أرواح الحيوان أرواحه، وأما تخصيص عيسى عليه السلام بالذكر فللتنبيه على شرف عيسى عليه السلام، وعلو منزلته بذكر الإضافة إليه كما قال تعالى : إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان (٤) و إن عبادي ليس لك عليهم سلطان (٥) مع أن الجميع عبيده، وإنما التخصيص لبيان منزلة المخصص.
وأما الكلمة. فمعناها : أن الله تعالى إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون.
فما من موجود إلا وهو منسوب إلى كلمة " كن ". فلما أوجد الله تعالى عيسى عليه السلام قال له : " كن " في بطن أمه، فكان. وتخصيصه بذلك للشرف كما تقدم، فهذا معنى معقول متصور، فليس فيه شيء كما يعتقده النصارى، من أن صفة من صفات الله حلت في ناسوت عيسى عليه السلام، وكيف يمكن في العقل أن تفارق الصفة الموصوف، بل لو قيل لأحدنا : إن علمك أو حياتك انتقلت لزيد لأنكر ذلك كل عاقل، بل الذي يمكن أن يوجد في الغير مثل تلك الصفة. وأما أنها هي في نفسها تتحرك من محل إلى محل فمحال، لأن الحركات من صفات الأجسام والصفة ليست جسما، فإن كانت النصارى تعتقد أن الصفات أجسام والأجسام صفات، وأن أحكام المختلفات وإن تباينت شيء واحد، سقطت مكالمتهم، وذلك هو الظن بهم. بل يقطع بأنهم أبعد عن ذلك من موارد العقل، ومدارك النظر.
وبالجملة فهذه كلمات عربية في كتاب عربي، فمن كان يعرف لسان العب حق معرفته في إضافاته وتعريفاته وتخصيصاته وتعميماته، وإطلاقاته وتقييداته وسائر أنواع استعمالاته فليتحدث فيه ويستدل به، ومن ليس كذلك فليقلد أهله العلماء به، ويترك الخوض فيما لا يعنيه ولا يعرفه. ( الأجوبة الفاخرة : ٨١ إلى ٩٠ )

١ - قال الله تعالى: وإنك لعلى خلق عظيم سورة القلم: ٤..
٢ - قال تعالى: تنزل الملائكة والروح فيها سورة القدر: ٤. وقال جل شأنه: قل نزله روح القدس من ربك بالحق سورة النحل: ١٠٢..
٣ - البيت للأخطل، وليس في ديوانه، وإنما ورد في "شرح المفصل" لابن يعيش: ١/٢١. نقلا عن معجم الشواهد العربية لعبد السلام هارون: ٢٧١..
٤ - سورة الأنفال: ٤١..
٥ - سورة الحجر: ٤٢..

جهود القرافي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير