ﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂ

والحق سبحانه وتعالى جاء في اليتيم الذي هو مظهر الضعف في الأسوة الإنسانية وأراد أن يقنن له فقال : وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا ٢ .
وكيف نؤتي اليتيم ماله وهو لم يبلغ مبلغ الرجال بعد، ونخشى أن نعطيه المال، فيضيعه ؟.
انظر إلى دقة العبارة في قوله من بعد ذلك : وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ( من الآية ٦ سورة النساء ).
وقبل ذلك ماذا نفعل ؟ هل ندفع لهم الأموال ؟ الحق يوضح أنك ساعة تكون وليا على مال اليتيم فاحرص جيدا أن تعطي هذا اليتيم ماله كاملا بعد أن يستكمل نضجه كاملا، فأنت حفيظ على هذا المال، وإياك أن تخلط مالك بماله أو تتبدل منه، أي تأخذ الجميل والثمين من عنده وتعطيه من مالك الأقل جمالا أو فائدة.
إذن فقوله :" وآتوا اليتامى أموالهم " أي أن الله جعل المال لليتيم ولم يجعل للقيم عليه أن يتصرف في هذا المال إلا تصرف صيانة، وأيضا هنا ملحظ آخر هو ما شرحه لنا " وابتلوا اليتامى " فهناك أناس يريدون ان يطيلوا أمد الوصاية على اليتيم، لكي ينتفع الواحد منهم بهذا المال فيوضح سبحانه : لا تنتظر إلى أن يبلغ الرشد ثم تقول ننظره، لا. أنت تدربه بالتجربة في بعض التصرفات وتنظر أسيحسن التصرف أم لا ؟.
إن قول الحق :" وابتلوا اليتامى " أي اختبروهم، هل يستطيعون أن يقوموا بمصالحهم وحدهم ؟ فإن استطاعوا فاطمئنوا إلى أنهم ساعة يصلون إلى حد الحلم سيحسنون التصرف، أعطوهم أموالهم بعد التجربة ؛ لأن اليتيم يعيش في قصور عمري، وهو سبحانه يفرق بين اليتيم والسفيه، فالسفيه لا يعاني من قصور عمري بل من قصور عقلي، وعندما تكلم سبحانه عن هذه المسألة قال : ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ( من الآية ٥ سورة النساء ).
فهل هي أموالكم ؟ لا. فحين يكون المرء سفيها فاعلم أنه لا إدارة له على ملكه، وتنتقل إدارة الملكية إلى من يتصرف في المال تصرفا حكيما، فاحرص على أن تدير مال السفيه كأنه مالك ؛ لأنه ليس له قدرة على حسن التصرف. لكن لما يبلغ اليتيم إلى مرحلة الباءة والنكاح والرشد يقول الحق : فادفعوا إليهم أموالهم ( من الآية ٦ سورة النساء ).
إنه سبحانه يقول مرة في الوصاية :" أموالكم " وفي العطاء يقول :" أموالهم " إذن فهو يريد ألا تبدد المال، ثم يوضح. احرص على ثروة اليتيم أو السفيه وكأنها مالك ؛ لأنه مادام سفيها فمسئولية الولاية مطلوبة منك، والمال ليس ملكا لك. خذ منه ما يقابل إدارة المال وقت السفه أو اليتم، وبعد ذلك يأتي الحق سبحانه وتعالى ليعلم القائمين على أمر اليتامى أو على أمر السفهاء الذين لا يحسنون إدارة أموالهم فيقول : وارزقوهم فيها ( من الآية ٥ سورة النساء ).
اجعلوا الرزق مما يخرج منها، وإياكم أن تبقوها عندكم، وإلا فما قيمة ولايتك ووصايتك وقيامك على أمر السفيه أو اليتيم ؟ إنك تثمر له المال لا ان تأكله أو لا تحسن التصرف فيه بحيث ينقص كل يوم، لا. " وارزقوهم فيها "، و " في " هنا للسببية، أي ارزقوهم بسببها، ارزقوهم رزقا خارجا منها.
" وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب " والخبيث هو الحرام والطيب هو الحلال، ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب، فقد يكون ضمن مال اليتيم شيء جميل فيأخذه الوصي لنفسه ويستبدله بمثل له قبيح، مثال ذلك، أن يكون ضمن مال اليتيم فرس جميل، وعند الوصي فرس قبيح فيأخذه ويقول : فرس بفرس، أو جاموسة مكان جاموسة، أو نخلة طيبة بنخلة لا تثمر، هنا يقول الحق :" ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ".
وقوله سبحانه وتعالى :" ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم " يعني إياكم ألا تجعلوا فرقا بين أموالهم وأموالكم فتأكلوا هذه مع تلك، بل فرقوا بين أكل أموالكم والحفاظ على أموالهم لماذا ؟ تأتي الإجابة :" إنه كان حوبا كبيرا " أي إثما فظيعا.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير