ومن يفعل ذلك القتل. أو جميع ما سبق من المحرمات عدوانًا وظلمًا ، أي : إفراطًا في التجاوز عن الحد، وإتيانًا بما لا يستحق، أو تعديًا على الغير وظلمًا على النفس، بتعريضها للعقاب، فسوف نصليه نارًا أي : نحرقه ونشويه فيها. وكان ذلك على الله يسيرًا .
وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم :" مَن قَتَل نفسَهُ بِشَيءٍ عُذِبَ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا " وهو تغليظ، أو لمن استحل ذلك. وهذا الوعيد الذي ذكره الحق هنا في قتل الإنسان بيده، أهون مما ذكره في قتل الغير، الذي يأتي، لأنه زاد هناك الغصب واللعنة والعذاب العظيم، أما قول ابن عطية : إنه أجمع المفسرون أن هذه الآية في قتل بعضهم بعضًا، فليس بصحيح، والله تعالى أعلم.
الإشارة : ولا تقتلوا أنفسكم باتباع الشهوات وتراكم الغفلات، فإنه يفوتها الحياة الحقيقية، وقال الفضيل بن عياض رضي الله عنه :( لا تغفلوا عن حظ أنفسكم، فمن غفل عن حظ نفسه، فكأنما قتلها ). وحظ النفس هو تزكيتها وتحليتها بالكمالات، أو قُوتها من العلم اليقين، والمعرفة وصحة التمكين، والمراد بالنفس هذا الروح، وأما ما اصطلحت عليه الصوفية من أن النفس يجب قتلها، فإن مرادهم بذلك النفس الأمارة، فإن الروح ما دامت مُظلمة بالمعاصي والهوى سميت نفسًا، فإذا تطهرت وتزكت سميت روحًا. وهو المراد هنا. سماها نفسًا باعتبار ما كانت عليه. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي