والقول الأول أظهر، وهذا الثاني يدخل تحت دلالة الأول؛ لأنه إذا حرم عليه قتل غيره من أهل دينه؛ لأنه بمنزلة نفسه، فقد حرم عليه قتل نفسه.
٣٠ - وقوله تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا الآية. كان ابن عباس يقول: الإشارة تعود إلى كل ما نُهي عنه من أول سورة النساء إلى هذا الموضع (١). فعلى هذا الوعيد راجع إلى جميع المحرمات السابقة في هذه السورة.
وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أفي كل ذلك؟ قال: لا، ولكن في قتل النفس (٢). فالوعيد على قول عطاء خاص في قتل النفس المُحرمة، ووجهه أنه يرده إلى أقرب مذكور إليه (٣).
وقال قوم: الوعيد راجع إلى أكل المال بالباطل وقتل النفس المحرمة، فالوعيد بكل واحدة من الخصلتين. وهذا اختيار الزجاج، قال: وعد الله عز وجل على أكل المال ظلمًا، وعلى القتل عدوانًا النار. قال: ومعنى العدوان أن يعدوا ما أُمِر به (٤).
والأظهر هذا القول؛ لاتصال الوعيد بذكر النهي عن الأمرين.
وقوله تعالى: وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا يقال: يسر الشيء فهو
(١) انظر: "زاد المسير" ٢/ ٦٢، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٨٣.
(٢) أخرجه بمعناه الطبري ٥/ ٣٦، وابن المنذر كما في "الدر المنثور" ٢/ ٢٦٠.
(٣) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤١٠.
(٤) "معاني الزجاج" ٢/ ٤٤. لكن آخر كلام الزجاج: وعلى القتال النار.
يسير، وهو ضد عسير (١). ومعناه أنه قادر على المتوعد لا يتهيأ له الامتناع منه ولا الهرب عنه فيتعذر الإيقاع به (٢).
٣١ - قوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ الآية. الاجتناب والتجنّب والمجانبة المُباعدة عن الشيء وتركه جانبًا (٣)، قال:
| وقالت تَجَنَّبنا ولا تَقْرَبنَّنا | فَكَيف وأنتم حاجَتِي أَتَجَنَّبُ (٤) |
واختلفوا في الكبائر ما هي؟ فروى عبد الله بن عمرو (٥) أن رسول الله - ﷺ - قال: "الكبائر: الإشراك بالله، واليمين الغموس، وعقوق الوالدين، وقتال النفس" (٦).
وروى أبو هريرة عنه - ﷺ - أنه قال: "الكبائر أولهن الإشراك بالله، وقتل النفس بغير حقها، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم بِدارًا أن يكبَروا، وفرارٌ يوم الزحف، ورمي المحصنة، والانقلاب إلى الأعراب بعد الهجرة" (٧).
(٢) انظر: "الطبري" ٥/ ٣٦.
(٣) انظر: "اللسان" ٢/ ٦٩٢ (جنب).
(٤) البيت ليزيد بن مفرغ الحميري في "ديوانه" ص ٤٤، وبلا نسبة في "الأغاني" ١٨/ ٢٧٨، و"الحماسة" ٢/ ١٠٣، ومنسوبًا في "وفيات الأعيان" ٦/ ٣٥٢.
(٥) هو أبو محمد أو أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي صحابي فاضل، أسلم قبل أبيه وكان عالمًا بالقرآن والكتب المتقدمة ومن كتاب رسول الله - ﷺ - ويعد من العبادلة الفقهاء، توفي -رحمه الله- سنة ٦٥هـ.
انظر: "أسد الغابة" ٢/ ٣٤٨، "سير أعلام النبلاء" ٣/ ٨٠، "الإصابة" ٢/ ٣٥١.
(٦) أخرجه البخاري (٦٦٧٥) كتاب الإيمان والنذور، باب: اليمين الغموس.
(٧) أخرجه بمعناه البخاري (٢٧٦٦) كتاب الوصايا، باب: ٢٣ قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا ٣/ ١٩٥، ومسلم (٨٩) كتاب الإيمان، باب: =
وقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: كل شيء عُصِي اللهُ فيه فهو كبيرة، فمن عمل منها شيئًا فليستغفر الله، فإن الله لا يُخلّد في النار من هذه الأمة إلا راجعًا عن الإسلام، أو جاحد فريضة، أو مكذبًا بقدر (١).
وقال في رواية علي بن أبي طلحة: هي كل ذنب ختمه الله عز وجل بنار، أو غصب، أو لعنة، أو عذاب (٢).
وهذا قول الحسين (٣) وسعيد بن جبير والضحاك. قالوا: كل مما جاء في القرآن مقرونًا بذكر الوعيد فهو كبير، نحو قتل النفس المحرمة، وقذف المحصنة، والربا، والزنا، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف (٤).
وروى السدي، عن أبي مالك، قال: ذكروا الكبائر عند عبد الله بن مسعود، فقال عبد الله بن مسعود: افتتحوا سورة النساء، فكل شيء نهى الله عنه حتى ثلاث وثلاثين آية (٥) فهو كبيرة.
(١) أخرجه من أوله إلى قوله: فهو كبيرة الطبري ٥/ ٤١. وقد ضعف هذا القول ابن الجوزي في "زاد المسير" ٢/ ٦٦.
(٢) "تفسير ابن عباس" ص ١٤٤، وأخرجه ابن جرير ٥/ ٤١.
(٣) هكذا والظاهر أن الصواب: الحسن. انظر: "زاد المسير" ٢/ ٦٦، وابن كثير ١/ ٥٣١.
(٤) أخرجه عن سعيد بن جبير والضحاك بمعناه دون التمثيل بقتل النفس وما بعده من الطبري ٥/ ٤٢، وانظر "زاد المسير" ٢/ ٦٢.
(٥) في (أ): (أنه)؛ ولعله تصحيف، فهو مخالف للآثار الواردة.
ثم قال: مصداق ذلك: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ الآية (١) وإلى هذا القول ذهب مقاتل (٢).
والصحيح أنه ليس لها حدّ يعرفه العباد وتتميّز به من الصغائر تميُّزَ إشارة، ولو عُرف ذلك لكانت الصغائر مباحة، ولكن الله تعالى يعلم ذلك وأخفاه عن العباد، ليجتهد كل أحد في اجتناب ما نهى عنه رجاء أن يكون مجتنب الكبائر. ونظير هذا في الشريعة إخفاء الصلاة الوسطى في الصلوات، وليلة القدر في ليالي رمضان، وساعة الإجابة في ساعات الجمعة.
يؤكد هذا ما رُوي عن ابن جبير أنه قال: سأل رجل ابن عباس عن الكبائر أسبع هي؟ قال: هي إلى السّبعمائة أقرب، إلا أنه لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار (٣).
وقال السدي: الكبائر ما رآه الناس بينهم فاحشة قبيحة. وذهب في هذا إلى معنى اللفظ، وذلك أن حقيقة الكبائر ما كَبُر وعظُم من الذنوب. قاله الزجاج (٤).
وقوله تعالى: نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ. السيئات المكفّرة باجتناب الكبائر هي ما دون الكبائر، والمعاصي مما يجتمع في عمله أهل الصلاح وأهل الفسق، مثل النظرة والكذبة واللمسة والقُبلة، وأشباه ذلك. وهذه تقع
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" بن سليمان ١/ ٣٦٩، "بحر العلوم" ١/ ٣٤٩.
(٣) أخرجه الطبري ٥/ ٤١، وابن المنذر وابن أبي حاتم، انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٢٦١.
(٤) "معانى القرآن وإعرابه" ٢/ ٤٥.
مكفّرةً بالصلوات الخمس، فقد قال - ﷺ -: "الخمس كفارات لما بينهن ما اجتنبت (١) الكبائر" (٢) (٣).
وقوله تعالى: وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا. وقرئ (مَدخلا) (٤) بفتح الميم. وهو بعد قوله: وَنُدْخِلْكُمْ محتمل أمرين: أحدهما: أن يكون مصدرًا وتضمر له فعلًا دلّ عليه الفعل المذكور، وانتصابه بذلك الفعل المضمر. والتقدير: وندخلكم فتدخلون مَدْخَلًا.
والثاني: أن يكون مكانًا، كأنه قال: وندخلكم مكانًا. وهو على هذا التقدير منتصب بهذا الفعل المذكور (٥).
ومن قرأ بضم الميم جاز أن يكون مكانًا، وأن يكون مصدرًا، فإن جعلته مصدرًا جاز أن تريد مفعولًا محذوفًا من الكلام، كأنه: وندخلكم الجنة مدخلًا كريمًا، أي إدخالًا كريمًا (٦).
والأشبه على القراءتين أن يكون مكانًا؛ لأن المفسرين قالوا في قوله: مُدْخَلًا كَرِيمًا: هو الجنة (٧)، ولأنا رأينا المكان وصف بالكريم،
(٢) هذه الكلمة ليست في (د).
(٣) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر" (٢٣٣) كتاب الطهارة، باب: ٥ الصلوات الخمس.
(٤) هذه القراءة لأبي جعفر ونافع. انظر: "الحجة" ٣/ ١٥٣، "المبسوط" ص ١٥٦، "النشر" ٢/ ٢٤٩.
(٥) الوجهان لهذه القراءة من "الحجة" ٣/ ١٥٣، ١٥٤ بتصرف.
(٦) انظر: "الحجة" ٣/ ١٥٤.
(٧) انظر: "الطبري" ٥/ ٤٥ - ٤٦
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي