أخرج الطبراني وابن أبي حاتم عن أبي أيوب الأنصاري قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن لي ابن أخ لا ينتهي عن الحرام، قال : وما دينه ؟ فقال : يصلي ويوحّد، قال :" استوهب منه. دينه فإن أبى فابتعه منه " فطلب الرجل ذلك منه فأبى عليه فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال وجدته شحيحا على دينه فنزلت إن الله لا يغفر أن يشرك به تعالى في وجوب الوجود أو العبادة إذا مات وهو مشرك وأما إذا تاب عن الشرك وآمن فيغفر له ما قد سلف من الشرك وغيره إجماعا لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، يعني كأنه لم يصدر عنه ذلك الذنب قط، قال الله تعالى : قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف " ١ { ويغفر ما دون ذلك يعني ما سوى الشرك من الذنوب صغيرة كانت أو كبيرة صدرت عنه خطأ أو عمدا وإن مات مذنبا لم يتب لمن يشاء تعميم المغفرة لما دون الشرك، وتقييدها بالمشيئة مبطل لمذهب المرجئة حيث قالوا بوجوب المغفرة لكل ذنب وقالوا لا يضر مع الإيمان كما لا ينفع عمل مع الشرك، ومذهب المعتزلة حيث قيّدوا مغفرة الذنوب بالتوبة فإن الآية تدل على نفي التقييد بالتوبة لأن سوق الكلام للتفرقة بين حال المشرك والمذنب، والتقييد بالمشيئة يبطل القول بوجوب المغفرة للتائب ووجوب التعذيب لغيره. فإن قيل : التقييد بالمشيئة لا ينافي الوجوب بل يستلزم وجوب المشيئة بعد ثبوت المغفرة ؟ قلنا : فحينئذ لا فائدة في التقييد ومذهب الخوارج حيث قالوا : كل ذنب شرك صاحبه مخلد في النار، أخرج أبو يعلى وابن المنذر وابن عدي بسند صحيح عن ابن عمر قال : كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا صلى الله عليه وسلم إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء قال : إني ادخرت دعوتي شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا ثم نطقنا بعد ورجونا " قال البغوي ناقلا عن الكلبي إن الآية نزلت في وحشي بن حرب وأصحابه وذلك أنه لما قتل حمزة كان قد جعل له على قتله أن يعتق فلم يوف له بذلك فلما قدم مكة ندم ما صنع هو وأصحابه فكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا قد ندمنا على صنعنا وأنه ليس يمنعنا عن الإسلام إلا أنا سمعناك تقول وأنت بمكة والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ٢ الآيات قد دعونا مع الله آلهة وقتلنا النفس التي حرم الله تعالى وزنينا فلولا هذه الآيات لا تبعناك فنزلت إلا من تاب وآمن وعمل صالحا ٣ الآيتين فبعث بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فلما قرؤوا كتبوا إليه أن هذا شرط شديد نخاف أن لا نعمل عملا صالحا فنزلت هذه الآية إن الله لا يغفر أن يشرك به الآية، فبعث بها إليهم فبعثوا إليه : إنا نخاف أن لا نكون من أهل مشيئته فنزلت يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ٤ الآية، فبعث بها إليهم فدخلوا في الإسلام ورجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فتقبل منهم، ثم قال للوحشي : أخبرني كيف قتلت حمزة ؟ فلما أخبره فقال : ويحك غيب وجهك عني، فلحق الوحشي بالشام وكان بها إلى أن مات. فإن قيل : هذه القصة يدل على نسخ تقييد المغفرة بالمشية فيثبت مذهب المرجئة ؟ قلنا : هذا التقييد لا يحتمل النسخ إذا لا يجوز وجود شيء من الأشياء مغفرة كانت أو غيرها بدون مشيئة الله لكن نزول قوله تعالى : يا عبادي الذين أسرفوا في شأن الوحشي دل على كونه من أهل المشيئة والله أعلم. وقال البغوي ناقلا عن أبي مجلز عن ابن عمر أنه لما نزل قل يا عبادي الذين أسرفوا الآية قام رجل فقال والشرك يا رسول الله فسكت ؟ ثم قال إليه مرتين أو ثلاثا فنزلت إن الله لا يغفر أن يشرك به الآية، وقال ناقلا عن مطرف بن عبد الله ابن الشخير عن ابن عمر قال : كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مات الرجل على كبيرة شهدنا أنه من أهل النار حتى نزلت هذه الآية فأمسكنا عن الشهادات، وقال : حكي عن علي أن هذه الآية أرجى آية في القرآن ومن يشرك بالله فقد افترى معنى الإفراء الإفساد و الافتراء استعمل في الكذب والشرك والظلم كذا في الصحاح، فالمعنى فقد أفسد وكذب إثما منصوب على المصدرية يعني ارتكب الكذب والفساد كذبا وفسادا عظيما، وجاز أن يكون منصوبا على المفعولية والمعنى على التجريد اختلق إثما عظيما يستحقر دونه الآثام، وهذا وجه الفرق بينه وبين سائر الآثام، عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" اثنتان موجبتان " فقال رجل : يا رسول الله ما الموجبتان ؟ قال :" من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار " ٥ رواه مسلم، وعن أبي ذر رضي الله عنه قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم و عليه ثوب أبيض وهو نائم ثم أتيته وقد استيقظ فقال :" ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، قلت : وإن زنى وإن سرق ؟ قال : وإن زنى وإن سرق، قلت : وإن زنى وإن سرق ؟ قال : وإن زنى وإن سرق، قلت : وإن زنى وإن سرق ؟ قال : وإن زنى وإن سرق، قلت : وإن زنى وإن سرق ؟ قال : وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر، وكان أبو ذر إذا حدث بهذا قال : وإن رغم أنف أبي ذر " ٦ متفق عليه، وفي الباب أحاديث كثيرة والله أعلم.
٢ سورة الفرقان، الآية: ٦٨.
٣ سورة الفرقان، الآية: ٧٠.
٤ سورة الزمر، الآية: ٥٣.
٥ أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ومن مات مشركا دخل النار (٩٣)..
٦ أخرجه البخاري في كتاب: اللباس، باب: الثياب البيض (٥٨٢٧) وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ومن مات مشركا دخل النار (٩٤)..
التفسير المظهري
المظهري