إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ٤٨ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ٤٩ انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا ( النساء : ٤٨-٥٠ ).
تفسير المفردات : يقال : افترى فلان الكذب إذا اعتمله واختلفه وأصله من الفري بمعنى القطع
المعنى الجملي : بعد أن هدد سبحانه اليهود على الكفر وتوعدهم عليه بأشد الوعيد كطمس الوجوه والرد على الأدبار ثم بين أن ذلك الوعيد واقع لا محالة بقوله : وكان أمر الله مفعولا.
ذكر هنا أن هذا الوعيد وشديد التهديد إنما هو لجريمة الكفر فأما سائر الذنوب سواه فالله قد يغفرها ويتجاوز عن زلاتها.
أخرج ابن المنذر عن أبي محلز قال : لما نزل قوله تعالى : قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( الزمر : ٥٣ ) قام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فتلاها على الناس فقام إليه رجل فقال : والشرك بالله فسكت ثم قال إليه فقال يا رسول الله والشرك بالله تعالى فسكت مرتين أو ثلاثا فنزلت هذه الآية.
الإيضاح :{ إن الله لا يغفر أن يشرك به { الشرك بالله ضربان :
شرك في الألوهية وهو الشعور بسلطة وراء الأسباب والسنن الكونية لغير الله تعالى.
شرك في الربوبية وهو الأخذ بشيء من أحكام الدين بالتحليل والتحريم عن بعض البشر دون الوحي وهذا ما أشار إليه الكتاب الكريم بقوله : اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ( التوبة : ٣١ ) وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم اتخاذهم أربابا بطاعتهم واتباعهم في أحكام الحلال والحرام.
و قد سرى الشرك في الألوهية والربوبية إلى بعض المسلمين منذ قرون كثيرة.
و في الآية إيماء إلى تسمية أهل الكتاب بالمشركين وكأنه يقول لهم : لا يغرنكم انتماؤكم إلى الكتب والأنبياء وقد هدمتم أساس الدين بالشرك الذي لا يغفره الله بحال.
و الحكمة في عدم مغفرة الشرك أن الدين إنما شرع لتزكية النفوس وتطهير الأرواح وترقية العقول والشرك ينافي كل هذا لأنه منتهى ما تهبط إليه العقول ومنه تتولد سائر الرذائل التي تفسد الأفراد والجماعات فبه يرفعون من دونهم أو من هم مثلهم إلى مرتبة التقديس والخضوع لهم باعتبار أن السلطة العليا بأيديهم وأن إرضاءهم وطاعتهم هو إرضاء لله وطاعة له.
و بالتوحيد يعتق المرء من رق العبودية لأحد من البشر أو لشيء من الأشياء السماوية أو الأرضية وتكون حرا كريما لا يخضع إلا لمن خضعت لسننه الكائنات بما أقامه من ربط الأسباب بالمسببات.
والخلاصة : إن أرواح الموحدين تكون راقية لا تهبط بها الذنوب إلى الحضيض الذي تهوي إليه أرواح المشركين إذ مهما عمل المشرك من الطيبات فإن روحه تبقى مظلمة بالعبودية والخضوع لغير الله ومهما أذنب الموحدون فإن ذنوبهم لا تحيط بأرواحهم إذ خيرهم يغلب شرهم ولا يبعد بهم الأمد وهم في غفلة عن ربهم كما قال تعالى : إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ( الأعراف : ٢٠١ ) فهم يسرعون إلى التوبة ويتبعون السيئة بالحسنة حتى يذهب أثرها من النفس وذلك هو غفرانها.
ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء أي ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء من عباده الذين أذنبوا ومشيئة الله تعالى تكون وفق حكمته وعلى مقتضى سنته في خليقته وقد جرت سنته بألا يغفر الذنوب التي لا يتوب صاحبها ولا يتبعها بالحسنات التي تزيل آثارها من نفس فاعلها.
وقصارى ذلك : إن الشرك لأفسادة للنفوس يترتب عليه العقاب حتما في الدنيا والآخرة وما عداه لا يصل إلى درجته في إفساد النفوس فمغفرته ممكنة تتعلق بها المشيئة الإلهية فمنه ما يكون تأثيره السيئ في النفوس قويا ومنه ما يكون ضعيفا يغفر بالتأثير بصالح العمل.
ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما أي ومن يجعل لغير الله شركة مع الله قيوم السماوات والأرض – سواء أكانت الشركة بالإيجاد أو بالتحليل والتحريم – فقد اخترع ذنبا عظيم الضرر تستصغر في جنب عظمته جميع الذنوب والآثام فهو جدير بألا يغفر وما دونه قد يمحي بالغفران.
المعنى الجملي : بعد أن هدد سبحانه اليهود على الكفر وتوعدهم عليه بأشد الوعيد كطمس الوجوه والرد على الأدبار ثم بين أن ذلك الوعيد واقع لا محالة بقوله : وكان أمر الله مفعولا.
ذكر هنا أن هذا الوعيد وشديد التهديد إنما هو لجريمة الكفر فأما سائر الذنوب سواه فالله قد يغفرها ويتجاوز عن زلاتها.
أخرج ابن المنذر عن أبي محلز قال : لما نزل قوله تعالى : قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( الزمر : ٥٣ ) قام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فتلاها على الناس فقام إليه رجل فقال : والشرك بالله فسكت ثم قال إليه فقال يا رسول الله والشرك بالله تعالى فسكت مرتين أو ثلاثا فنزلت هذه الآية.
تفسير المراغي
المراغي