قال المفسرون : خرج كعب بن الأشرف في سبعين راكبا من اليهود إلى مكة بعد واقعة أحد ليحالفوا قريشا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وينقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل كعب على أبي سفيان فأحسن مثواه ونزلت اليهود في دور قريش فقال أهل مكة : إنكم أهل كتاب ومحمد صاحب كتاب ولا نأمن أن يكون هذا مكرا منكم فإن أردت أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما ففعل ذلك، ثم قال كعب لأهل مكة : ليجئ منكم ثلاثون ومنا ثلاثون فنلزق أكبادنا بالكعبة فنعاهد رب هذا البيت لنجهدن على قتال محمد ففعلوا فنزلت ألم تر الذين أتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت أخرج الطبراني والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس نحوه. واختلفوا في تفسير الجبت والطاغوت ؟ فقال عكرمة : هما ضمان كان المشركون يعبدونهما من دون الله ويؤيده ما روينا من القصة، وروي عنه أن الجبت بلسان الحبشة الشيطان، قلت : لعل ذلك الصنم سمي باسمه، وقال أبو عبيد هما كل معبود يعبد من دون الله لكن العطف يقتضي المغايرة، والتحقيق أن الجبت أصله الجبس وهو الذي لا خير فيه فقلت سينه تاء، والطاغوت فعلوت من الطغيان والتجاوز عن الحد في الكفر والعصيان أصله طغووت قلبت اللام بالعين ثم قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصار طاغوت كذا في الصحاح والقاموس، فعلى هذا جاز إطلاق الجبت على كل ما لا خير فيه والطاغوت على كل ما تجاوز الحد في العصيان ولذا سمي بالجبت حيي بن أخطب وبالطاغوت كعب ابن الأشرف، كذا قال الضحاك، وقال عمرو الشعبي ومجاهد : الجبت السحر والطاغوت الشيطان، وقال محمد بن سيرين الجبت الكاهن والطاغوت الساحر، وقال سعيد بن جبير وأبو العالية بعكس ذلك، وروى البغوي بسنده عن قصبية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" العيافة والطرق والطيرة منه الجبت " ١ يعني لا خير في شيء منها، قلت : فالظاهر أن المراد بالجبت هاهنا الأوثان إذ لا خير فيها أصلا وبالطاغوت شياطين الأوثان وكان لكل صنم شيطان يعبر عنه فيغتربه الناس. روى البيهقي عن أبي الطفيل رضي الله عنه أنه بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد لهدم العزى يوم فتح مكة، قال أبو الطفيل : فقطع خالد السمرات ثم رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال : هل رأيت شيئا " قال : لا، قال : فإنك لم تهدمها فرجع خالد فلما رأت السدنة خالدا انبعثوا في الجبل وهم يقولون يا عزى خبلتيه يا عزى عوّرته وإلا فموتي برغم، فخرجت إليه امرأة سوداء عريانة ناشزة الرأس تحثوا التراب على رأسها ووجهها فجرد خالد سيفه وهو يقول يا عزى كفرانك لا سبحانك، إني رأيت الله قد هانك، فضربها بالسيف فجزلها باثنتين ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال : نعم تلك العزى قد يئست أن تعبد ببلادكم أبدا " كذا في سبيل الرشاد والله أعلم.
أخرج أحمد وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت قريش : ألا ترى هذا المنصبر المنبتر من قومه يزعم أنه منا ونحن أهل الحجج وأهل السدانة وأهل السقاية، قال أنتم خير منه فنزلت فيهم إن شانئك هو الأبتر ٣ ونزلت هذه الآية ويقولون يعني كعب الأشرف وأصحابه للذين كفروا من أهل مكة أبي سفيان وغيره هؤلاء يعني كفار مكة أهدى أقوم وأرشد من الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم سبيلا دينا وطريقا : وأخرج ابن إسحاق عن ابن عباس : قال : كان الذين حزبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة حيي بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق وأبو رافع والربيع بن أبي الحقيق وأبو عمارة وهودة بن قيس وكان سائرهم من بني النضير، فلما قدموا على قريش قالوا هؤلاء أحبار اليهود وأهل العلم بالكتب الأولى فسألوهم أديننا خير أم دين محمد ؟ فقالوا : دينكم خير من دينه وأنتم أهدى منه وممن تبعه، فأنزل الله تعالى هذه الآية إلى قوله : ملكا عظيما وذكر البغوي أنه لما سأل أبو سفيان كعبا عن ذلك، قال كعب أعرضوا علي دينكم، فقال أبو سفيان نحن ننحر للحجيج الكرماء ونسقيهم الماء ونقر الضيف ونفك العاني ونصل الرحم ونعمر بيت ربنا ونطوف به ونحن أهل الحرام ومحمد فارق دين آبائه وقطع الرحم وفارق الحرم وديننا القديم ودين محمد الحديث، فقال كعب والله أنتم أهدى سبيلا مما عليه محمد.
التفسير المظهري
المظهري