ﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛ ﰿ

هذا الدرس يتناول موضوعا خطيرا.. الموضوع الأساسي في حياة الأمة المسلمة. إنه يتناول بيان شرط الإيمان وحده ؛ متمثلا في النظام الأساسي لهذه الأمة.. ومن الموضوع في ذاته، ومن طريقه ارتباطه وامتزاجه بالنظام افي ظل هذه التصورات القرآنية التي تمثل المنهج الرباني..
حين ننظر إلى الديوان المأثور والحياة الواقعية.. في ظل القرآن وواقع الحياة الإسلامية : يتبين لنا على وجه التأكيد والتحديد.. أنها كانت نشأة ولم تكن خطوة ولا مرحلة ولا وثبة ! كانت " إخراجًا " من صنع الله ؛ كتعبير القرآن الدقيق.. وكانت أعجب نشأة ؛ وأغرب إخراج.. فيهي المرة الأولى والأخيرة - فيما نعلم - التي تنبثق فيها أمة من بين دفتي كتاب ! و " تخرج " فيها حياة من خلال الكلمات !
ولكن لا عجب.. فهذه الكلمات.. كلمات الله..
ومن أراد المجادلة والمماحلة، فليقل لنا أين كانت هذه الأمة قبل أن " يخرجهًا " الله بكلماته ؛ وقيل أن ينشئها الله بقرآنه ؟
إننا نعرف أنها كانت في الجزيرة العربية ! ولكن أين كانت في الوجود " الإنساني " ؟ أين كانت في سجل الحضارة البشرية ؟ أين كانت في التاريخ العالمي ؟ أين كانت تجلس على المائدة العالمية الإنسانية ؟ وماذا كانت تقدم على هذه المائدة، فيعرف باسمها ويحمل طابعها ؟
لقد " نشأت " هذه الأمة نشأتها بهذا الدين ؛ ونشئت تنشئتها بهذا المنهج القويم ؛ وقادت نفسها وقادت البشرية بعد ذلك بكتاب الله الذي في يدها، وبمنهجه الذي طبع حياتها.. لا بشيء آخر.. وأمامنا التاريخ ! وقد صدقها الله وعده وهو يقول للعرب :( لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم.. أفلا تعقلون ) ؟
فبسبب من هذا الكتاب ذكرت هذه الأمة في الأرض ؛ وكان لها دورها في التاريخ ؛ وكان لها " وجود إنساني " ابتداء، وحضارة عالمية ثانيا.. ذلك بينما يريد جماعة من الحمقى أن يرفضوا نعمة الله هذه على الأمة العربية ؛ ويجحدوا فضل الله في أن جعل كلمته الأخيرة لأهل الأرض قاطبة في العرب وبلسانهم.. ومن ثم جعل لهم وجودا وذكرا وتاريخا وحضارة - يريدون أن يخلعوا هذا الرداء الذي ألبسهم الله إياه ؛ وأن يمزقوا هذه الراية التي قادتهم إلى الذكر والمجد.. بل إلى الوجود يوم أخرج الله منهم الأمة المسلمة !
نقول.. إن القرآن حين كان " ينشى ء " هذه الأمة و " ينشئها ".. ويخطط ويثبت ملامح الإسلام الجديدة، في الجماعة المسلمة - التي التقطها من سفح الجاهلية - ويطمس ويمحو ملامح الجاهلية في حياتها ونفوسها ورواسبها.. وينظم مجتمعها - أو يقيمه ابتداء - على أساس الميلاد الجديد..
وحين كان يخوض بالجماعة المسلمة المعركة ؛ في مواجهة الجاهلية الراسبة في نفوسها وأوضاعها من مخلفات البيئة التي التقطها المنهج الرباني منها ؛ وفي مواجهة الجاهلية الرابضة فيها ومن حولها - ممثلة في يهود المدينة ومنافقيها ومشركي مكة وما حولها - والمعركتان موصولتان في الزمان والمكان !
حين كان القرآن يصنع ذلك كله.. كان يبدأ فيقيم للجماعة المسلمة تصورها الصحيح، ببيان شرط الإيمان وحد الإسلام ؛ ويربط بهذا التصور - في هذه النقطة بالذات - نظامها الأساسي، الذي يميز وجودها من وجود الجاهلية حولها ؛ ويفردها بخصائص الأمة التي أخرجت للناس، لتبين للناس، وتقودهم إلى الله.. نظامها الرباني..
وهذا الدرس يتولى بيان هذا النظام الأساسي، قائما ومنبثقا من التصور الإسلامي لشرط الإيمان وحد الإسلام !
إنه يتولى تحديد الجهة التي تتلقى منها الأمة المسلمة منهج حياتها ؛ والطريقة التي تتلقى بها ؛ والمنهج الذي تفهم به ما تتلقى، وترد إليه ما يجد من مشكلات وأقضية لم يرد فيها نص وتختلف الأفهام فيها ؛ والسلطة التي تطيعها وعلة طاعتها ومصدر سلطانها.. ويقول : إن هذا هو شرط الإيمان وحده الإسلام..
وعندئذ يلتقي " النظام الأساسي " لهذه الأمة ؛ بالعقيدة التي تؤمن بها.. في وحدة لا تتجزأ ؛ ولا تفترق عناصرها..
وهذا هو الموضوع الخطير الذي يجلوه هذا الدرس جلاء دقيقا كاملا.. وهذه هي القضية التي تبدو، بعد مطالعة هذا الدرس، بديهية يعجب الإنسان كيف يجادل مسلم فيها !
إنه يقول للأمة المسلمة : إن الرسل أرسلت لتطاع - بإذن الله - لا لمجرد الإبلاغ والإقناع :
( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله )..
ويقول لها : إن الناس لا يؤمنون - ابتداء - إلا أن يتحاكموا إلى منهج الله ؛ ممثلا - في حياة الرسول [ ص ] - في أحكام الرسول. وباقيا بعده في مصدريه القرآن والسنة بالبداهة ؛ ولا يكفي أن يتحاكموا إليه - ليحسبوا مؤمنين - بل لا بد من أن يتلقوا حكمه مسلمين راضين :
فلا وربك.. لا يؤمنون.. حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليمًا.. فهذا هو شرط الإيمان وحد الإسلام.
ويقول لها : إن الذين يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت - أي إلى غير شريعة الله - لا يقبل منهم زعمهم أنهم آمنوا بما أنزل إلى الرسول وما أنزل من قبله. فهو زعم كاذب. يكذبه أنهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت :
ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت - وقد أمروا أن يكفروا به - ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدًا.
ويقول لها : إن علامة النفاق أن يصدوا عن التحاكم إلى ما أنزل الله والتحاكم إلى رسول الله :
( وإذا قيل لهم : تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول، رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا )
ويقول لها : إن منهجها الإيماني ونظامها الأساسي، أن تطيع الله - عز وجل - في هذا القرآن - وأن تطيع رسول الله [ ص ] في سنته - وأولي الأمر من المؤمنين الداخلين في شرط الإيمان وحد الإسلام معكم :
( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله، وأطيعوا الرسول. وأولي الأمر منكم )..
ويقول لها : إن المرجع، فيما تختلف فيه وجهات النظر في المسائل الطارئة المتجددة. والأقضية التي لم ترد فها أحكام نصية.. إن المرجع هو الله ورسوله.. أي شريعة الله وسنة رسوله.
( فإن تنازعتم في شيء، فردوه إلى الله والرسول )..
وبهذا يبقى المنهج الرباني مهيمنا على ما يطرأ على الحياة من مشكلات وأقضية كذلك، أبد الدهر، في حياة الأمة المسلمة.. وتمثل هذه القاعدة نظامها الأساسي، الذي لا تكون مؤمنة إلا به، ولا تكون مسلمة إلا بتحقيقه.. إذ هو يجعل الطاعة بشروطها تلك، ورد المسائل التي تجد وتختلف فيها وجهات النظر إلى الله ورسوله.. شرط الإيمان وحد الإسلام.. شرطا واضحا ونصا صريحا :
( إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر )..
ولا ننس ما سبق بيانه عند قوله تعالى :( إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ).. من أن اليهود وصموا بالشرك بالله، لأنهم كانوا يتخذون أحبارهم أربابا من دون الله - لا لأنهم عبدوهم - ولكن لأنهم قبلوا منهم التحليل والتحريم ؛ ومنحوهم حق الحاكمية والتشريع - ابتداء من عند أنفسهم - فجعلوا بذلك مشركين.. الشرك الذي يغفر الله كل ما عداه. حتى الكبائر.. " وإن زنى وإن سرق. وإن شرب الخمر ".. فرد الأمر كله إلى إفراد الله - سبحانه - بالألوهية. ومن ثم إفراده بالحاكمية. فهي أخص خصائص الألوهية. وداخل هذا النطاق يبقى المسلم مسلما ويبقى المؤمن مؤمنا. ويطمع أن يغفر له ذنوبه ومنها كبائره.. أما خارج هذا النطاق فهو الشرك الذي لا يغفره الله أبدا.. إذ هو شرط الإيمان وحد الإسلام. ( إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر.. )
هذا هو الموضوع الخطير الذي يتناوله هذا الدرس. بالإضافة إلى بيان وظيفة الأمة المسلمة في الأرض. من إقرار مبادى ء العدل والخلق على أساس منهج الله القويم السليم :( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها. وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل.. إن الله نعما يعظكم به.. إن الله كان سميعا بصيرًا.. )
وقد ألممنا به إجمالا. فنأخذ في مواجهة النصوص تفصيلا..
وهو يرغبهم في العودة والتوبة والاستقامة والاطمئنان إلى كنف الله وكنف رسوله.. بعد كل ما بدا منهم من الميل إلى الإحتكام إلى الطاغوت ؛ ومن الصدود عن الرسول [ ص ] حين يدعون إلى التحاكم إلى الله والرسول.. فالتوبة بابها مفتوح، والعودة إلى الله لم يفت اوانها بعد ؛ واستغفارهم الله من الذنب، واستغفار الرسول لهم، فيه القبول ! ولكنه قبل هذا كله يقرر القاعدة الأساسية : وهي أن الله قد أرسل رسله ليطاعوا - بإذنه - لا ليخالف عن أمرهم. ولا ليكونوا مجرد وعاظ ! ومجرد مرشدين !
( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله. ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك، فاستغفروا الله، واستغفر لهم الرسول، لوجدوا الله توابا رحيمًا )..
وهذه حقيقة لها وزنها.. إن الرسول ليس مجرد " واعظ " يلقي كلمته ويمضي. لتذهب في الهواء - بلا سلطان - كما يقول المخادعون عن طبيعة الدين وطبيعة الرسل ؛ أو كما يفهم الذين لا يفهمون مدلول " الدين ".
إن الدين منهج حياة. منهج حياة واقعية. بتشكيلاتها وتنظيماتها، وأوضاعها، وقيمها، وأخلاقها وآدابها. وعباداتها وشعائرها كذلك.
وهذا كله يقضي أن يكون للرسالة سلطان. سلطان يحقق المنهج، وتخضع له النفوس خضوع طاعة وتنفيذ.. والله أرسل رسله ليطاعوا - بإذنه وفي حدود شرعه - في تحقيق منهج الدين. منهج الله الذي أراده لتصريف هذه الحياة. وما من رسول إلا أرسله الله، ليطاع، بإذن الله. فتكون طاعته طاعة لله.. ولم يرسل الرسل لمجرد التأثر الوجداني، والشعائر التعبدية.. فهذا وهم في فهم الدين ؛ لا يستقيم مع حكمة الله من إرسال الرسل. وهي إقامة منهج معين للحياة، في واقع الحياة.. وإلا فما أهون دنيا كل وظيفة الرسول فيها أن يقف واعظا. لا يعنيه إلا أن يقول كلمته ويمضي. يستهتر بها المستهترون، ويبتذلها المبتذلون ! ! !
ومن هنا كان تاريخ الإسلام كما كان.. كان دعوة وبلاغا. ونظام وحكما. وخلافة بعد ذلك عن رسول الله [ ص ] تقوم بقوة الشريعة والنظام، على تنفيذ الشريعة والنظام. لتحقيق الطاعة الدائمة للرسول. وتحقيق إرادة الله من إرسال الرسول. وليست هنالك صورة أخرى يقال لها : الإسلام. أو يقال لها : الدين. إلا أن تكون طاعة للرسول، محققة في وضع وفي تنظيم. ثم تختلف أشكال هذا الوضع ما تختلف ؛ ويبقى أصلها الثابت. وحقيقتها التي لا توجد بغيرها.. استسلام لمنهج الله، وتحقيق لمنهج رسول الله. وتحاكم إلى شريعة الله. وطاعة للرسول فيما بلغ عن الله، وإفراد لله - سبحانه - بالألوهية [ شهادة أن لا إله إلا الله ] ومن ثم إفراده بالحاكمية التي تجعل التشريع ابتداء حقا لله، لا يشاركه فيه سواه. وعدم احتكام إلى الطاغوت. في كثير ولا قليل. والرجوع إلى الله والرسول، فيما لم يرد فيه نص من القضايا المستجدة، والأحوال الطارئه ؛ حين تختلف فيه العقول..
وأمام الذين ( ظلموا أنفسهم ) بميلهم عن هذا المنهج، الفرصة التي دعا الله المنافقين إليها على عهد رسول الله، [ ص ] - ورغبهم فيها..
ولو أنهم - إذ ظلموا أنفسهم - جاؤوك، فاستغفروا الله، واستغفر لهم الرسول، لوجدوا الله توابا رحيمًا..
والله تواب في كل وقت على من يتوب. والله رحيم في كل وقت على من يؤوب. وهو - سبحانه - يصف نفسه بصفته. ويعد العائدين إليه، المستغفرين من الذنب، قبول التوبة وإفاضة الرحمة.. والذين يتناولهم هذا النص ابتداء، كان لديهم فرصة استغفار الرسول [ ص ] وقد انقضت فرصتها. وبقي باب الله مفتوحا لا يغلق. ووعده قائما لا ينقض. فمن أراد فليقدم. ومن عزم فليتقدم..

في ظلال القرآن

عرض الكتاب
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير