قوله : وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ " منكم " خبر مُقَدَّم ل " إنْ " واسمُها، و " لمَنْ " دخلت اللام على الاسْم تأكِيداً لما فَصَلَ بَيْنَه وبَيْنَهَا بالخَبَر، و " من " يجوزُ أن تكُونَ مَوْصُولة، [ أو نكرة مَوْصُوفة ]٤٣ واللاّم في " ليبطئن " ٤٤ فيها قَوْلان :
أصحهما : أنها جَوَابُ قَسَم مَحْذُوف، تقديره أُقْسِمُ بالله لَيُبَطِّئنَّ، والجُمْلَتَان - أعْنِي : القَسَم وجَوابُه - صِلَة ل " مَنْ "، أو صِفَةٌ لَهَا على حَسَبِ القَوْلَيْن المُتَقَدِّمَيْن، والعَائِدُ على كِلاَ التَّقْدِيرَيْن هو الضَّمِير المرفُوع ب " ليبطئن "، والتَّقْدِير : وإنْ مِنْكُم لِلَّذِي، أو لَفَرِيقاً واللَّه لَيُبَطِّئَنَّ.
واسْتَدَلَّ بعض النُّحَاة بهذه الآيَةِ على أنَّه يجوز وَصْلُ المَوْصُولِ بجملة القَسَمِ وجوابه [ إذا عَرِيَتْ جُمْلَةُ القَسَم من ضمير عَائِدٍ على الموصول نحو :" جاء الذي أحْلِفُ باللَّهِ لقد قام أبوه " وجعله ] ردَّا على قدماء النحاة، حيث زَعَمُوا مَنْعَ ذلك [ ولا دلالة على ذلك ]٤٥، إذ لقائل أن يقُول : ذلك القَسَم المَحْذُوفُ لا أقَدِّرُهُ إلا مُشْتَمِلاً على ضَمِيرٍ يَعُود على المَوْصُول.
والقول الثاني : نقله ابن عَطِيَّة عن بَعْضِهِم : أنَّها لام التَّأكِيد بَعْدَ تأكيد، وهذا خطَأٌ من قَائله، والجُمْهُور على " ليبطئن " بتشديد الطَّاءِ.
ومُجَاهد٤٦ بالتَّخفيف. و [ على ]٤٧ كلتا القِرَاءَتيْن يُحْتَمل أن يكُون الفِعْل لازماً ومُتَعَدِّياً، يقال : أبْطَأَ وبَطَّأ أي تَكَاسَلَ وتَثَبَّط، والتَّبْطِئَة : التَّأخُّر عن الأمْرِ، فهذان لزِمَان، وإن قُدِّر أنهما مُتَعَدِّيانِ، فمعُمُولُهُمَا مَحْذُوفٌ، أي : ليُبَطِّئَنَّ٤٨ غَيْرَه، أي : يُثَبِّطُه ويُجِبْنُه عن القَتَالِ، و " إذ لم أكن " ظرف، نَاصِبُهُ :" أنعم الله ".
فصل في تفسير " منكم "
قوله :" منكم " اختَلَفُوا فيه :
فقيل : المُرادَ منه : المُنافِقُون وهم عبدُ الله بن أبَيٍّ وأصحابه، كانوا يُثَبِّطُونَ النَّاس عن الجِهَادِ مع رسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم٤٩.
فإن قيل : تَقْدِير الكَلاَمِ يأيُّهَا الَّذِين آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُم وأن مِنْكُم لمن ليُبَطِّئَنَّ، فإذا كان هَذا المُبَطِّئ٥٠ مُنَافِقاً، فكيف يُجْعَلُ قِسْماً من المُؤمِن في قوله " إن منكم ".
فالجواب : أنه جعل المُنافقين من المُؤمنين من حَيْثُ الجِنْسِ والنَّسَبِ والاخْتِلاَطِ، أو من حيث الظَّاهِر ؛ لتشبههم بالمُؤمنين، أو من حَيث زعمهم ودَعْواهُم، كقوله : يأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ [ الحجر : ٦ ].
وقيل : المراد ضَعَفَهُ المؤمنين، وهو اخْتِيَار جَمَاعَةٍ من المُفَسِّرين٥١، قالُوا : والتَّبْطِئَةُ بمعنى الإبْطَاء، وفَائِدة هذا التِّشْديد تَكَرُّر الفِعْلِ مِنْهُ.
حكى أهْل اللُّغَة أن العَرَبَ تَقُول : ما بَطأ بك يا فُلانُ عَنَّا، وإدْخَالهم البَاء يَدُلُّ على أنَّه في نَفْسِهِ غير مُتَعَدٍّ٥٢، فَعَلَى هذا مَعْنَى الآية : أن فيهم من يُبطئُ عن هذا الفَرْضِ ويتثاقل عن الجِهَادِ، وإذا ظَفِر المسْلِمُون، تَمنَّوْا أن يكُونُوا مَعَهُم ليَأخُذُوا الغَنِيمَة.
قال : هؤلاء هُمُ الَّذِين أرادَ اللَّه بقوله : يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ [ التوبة : ٣٨ ]، قال : ويَدُلُّ على أنَّ المُرَاد بقوله :" ليبطئن " ٥٣ الإبْطَاء منهم لا تَثْبِيطَ غَيْرهم قوله : يا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ عند الغنِيمة، ولو كان المُرادُ : تَثْبِيطَ الغَيْرِ، لم يَكُن لِهَذا الكَلاَمِ مَعْنًى.
وطعن القَاضِي في هذا القَوْلِ : بأنه - تعالى - حَكَى أن هؤلاَء المُبَطِّئِين، يقولون عن مصيبة المؤمنين : قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً فيعدّ قُعُوده على القِتَالِ نِعْمة من اللَّه - تعالى -، وهذا إنما يَلِيقُ بالمُنَافِقين، وأيضاً لا يَليق بالمُؤمنين أن يُقال لهم : كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ ، يعني الرَّسُول " مودة " ٥٤، ثم قال : وإن حُمِلَ " ليبطئن " على أنه من الإبْطَاءِ والتَّثَاقُل، صح في المُنَافِقِين، لأنهم كانوا يَثَاقَلُون.
قوله : فإن أصابتكم [ مصيبة ] ٥٥ أي : قَتْل وهَزيمَة " قال قد أنعم الله علي " بالقعود، و إذ لم أكن معهم شهيداً ، أي : شَاهِداً حاضراً في تلك الغَزْوَةِ، فيُصِيبُنَي ما أصابَهُم، و " إذا لم أكن " طرف نَاصِبُه :" أنعم الله ".
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود