ﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱ

وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا .
في الآيات السابقات بين الله سبحانه وتعالى دعائم الحكومة الإسلامية الوثيقة الأركان، فذكر لها ثلاثة أوصاف :
أولها : أن تسودها الأمانة في القول والعمل والمال، فلا تقوم حكومة قويمة إلا إذا كانت الأمانة هي السائدة بين الحكام والسائدة بين الشعب، والسائدة في العلاقات بين الشعب والحكومة. فإذا لم تكن الأمانة فسد أمر الحاكم والمحكوم، وضاعت الأمة.
وثانيها العدل، فهو ميزان الجماعة وميزان الحكم. ولقد كان العدل شعار الإسلام وسيماه ومعناه، فإذا كان لكل دين سمة واضحة فيه، فسمة الإسلام العدل من العدو والولي على سواء، ولا تقوم أمة إذا لم يقم بينها العدل، واحترام الحقوق التي قررها الله تعالى، ومنحها لعباده.
وثالثها الرجوع إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، واتخاذهما الحكم المرضي للحكومة دائما، لا يأخذ أحد منهما ما يحب ويدع ما لا يحب.
وإنه يجب أن يكون للأمة مجلس للحل والعقد يستشيره الحاكم ويشير عليه، فإن اختلف أهل الحل والعقد، احتكموا إلى كتاب الله تعالى، يشير إلى ذلك قوله تعالى : فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر( ٥٩ ) ( النساء ).
وفي الآيات السابقة أكد الأمر بطاعة الله تعالى، وبين أن أعلى الدرجات أن يطيع المؤمن الله ورسوله، ولو أمره بأن يتقدم لإعلان الحق والنطق به، وهو يعلم أنه سيقتل.
وإذا تكونت الأمة ذلك التكوين العادل الأمين، تقدمت للدفاع عن نفسها، ولذلك جاء بعده أخذ الأهبة للقتال، فقد قال سبحانه وتعالى : يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا
وإن ممن يعيشون معكم ويساكنونكم ويرتبطون معكم برحم واصلة، ويعلنون اسم الإيمان لمن يتثاقلون عند الدعوة إلى القتال، فيبطئون ولا يخرجون، يبطئون غيرهم ويثبطونهم. وهؤلاء لا ينظرون إليكم نظرة المحب الذي يودكم، بل يترقبون الأمر معكم، فإن أصابتكم هزيمة وقتية، أو استشهد عدد منكم، لا يتألمون، بل يفرحون، ويعتبرون قعودهم نعمة أنعم الله بها عليهم، ويحمدون الله تعالى إذ لم يكونوا حاضرين هذه الحرب ! فمعنى شهيدا حاضرا الحرب، يقاتل فيقتل أو يقتل.
ومن هم هؤلاء ؟ أهم المنافقون، أم ضعاف الإيمان ؟ قال أكثر مفسري الرواية : إنهم منافقون، وذلك شأنهم. والتعبير ب "منكم"يحتاج إلى توفيق بين هذا وقوله تعالى في شأن المنافقين : ما هم منكم ولا منهم( ١٤ ) ( المجادلة )، والتوفيق أن يقال هنا إن المراد بقوله منكم، أي من أهلكم وعشيرتكم وتربطكم بهم رحم، فكل منافق كان في قرابته من هو صادق الإيمان، مجاهد في الله حق جهاده. ويزكي هذا قوله تعالى في الآية الآتية : كأن لم تكن بينكم وبينه مودة .
وبعض المفسرين رأى أن المراد ضعاف الإيمان، ومن ليست عندهم عزيمة الجهاد، وذلك موجود في كل جماعة، ففي كل جماعة المؤمن القوي في نفسه ودينه، ومنهم الضعيف في نفسه وهمته ودينه.
والحق أنه يصح أن يشمل التعبير الطائفتين : المنافقين وضعاف الأنفس والإيمان، فكلا الفريقين لا يهمه إلا نفسه، ولا يندمج إحساسه في إحساس أهل الإيمان، فهو متربص منتظر، فإن وجد هزيمة لا يألم، بل يسر لأنها لم تصبه، إذ لا يعتبر آلام جماعته إيلاما لنفسه، وإن وجد نصرا تألم، لأنه لم يكن من الغانمين الذين اشتركوا في المعركة، ونالوا الفوز فيها، ولذا قال سبحانه وتعالى في شأن هؤلاء في حال النصر : ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما .

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو زهرة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير