أخرج النسائي والحاكم عن ابن عباس أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابه أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة قبل الهجرة فقالوا : يا نبي الله كنا في عز ونحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلة، قال :" إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم " فلما حوله الله إلى المدينة أمره بالقتال فحينئذ جبن بعض الناس فكفوا أيديهم فأنزل الله تعالى ألم تر استفهام للتعجب ومناط التعجب تقاعد فريق منهم عن القتال وخشيتهم عن الناس عند الأمر بالقتال بعد تصديقهم كلهم للقتال عند الأمر بالكف، والتصدي يفهم من الأمر بالكف لأن الكف إنما يتحقق فيما يتصدى له المكفوف إلى الذين قيل لهم قال البغوي : عن الكلبي أن المراد بهم عبد الرحمن بن عوف الزهري والمقداد بن الأسود الكندي وقدامة بن مظعون الجمحي وسعد بن أبي وقاص وجماعة كانوا يلقون من المشركين بمكة أذى كثيرا قبل أن يهاجروا ويقولون يا رسول الله ائذن لنا في قتالهم فإنهم قد أذونا فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : كفوا أيديكم عن القتال فإني لم أمر بقتالهم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واشتغلوا بما أمرتم به، وفيه تنبيه على أن الجهاد مع النفس لإصلاح قلبه ونفسه مقدم على الجهاد مع الكفار فإن الأول لإصلاح نفسه وهو أهم من الثاني الذي هو الإصلاح لغيره وإخلاء العالم الكبير عن الفساد ولذلك جعل الله تعالى الأول من الفروض على الأعيان والثاني من الفروض على الكفاية فلما هاجروا إلى المدينة كتب فرض عليهم القتال مع المشركين شق ذلك على بعضهم وجبنوا مما يقول الله تعالى إذ للمفاجأة جواب لما فريق مبتدأ منهم صفة يخشون الناس خبره كخشية الله إضافة المصدر إلى المفعول في محل النصب على المصدرية يعني يخشون من الناس خشية كخشيتهم من الله أو على حال من فاعل يخشون، يعني يخشون الناس حال كونهم مثل أهل خشية الله منه أو أشد خشية عطف عليه إن جعلته حالا أي حال كونهم أشد خشية من أهل خشية الله منه لا إن جعلته مصدرا لأن أفعل التفضيل إذا نصب ما بعده لم يكن من جنسه بل حينئذ معطوف على اسم الله تعالى أي كخشية الله أو كخشية أشد خشية من خشية الله، وأو للتخيير لا للشك، أي إن قلت إن خشيتهم الناس كخشية الله فأنت مصيب، وإن قلت أنها أشد فأنت مصيب لأنه حصل مثلها وزيادة، وهذا الكلام مبني على التجوز فإنهم لما تقاعدوا عن الحرب باستيلاء النفس جبنا ولم يسارعوا إلى امتثال أمر الله تعالى في قتالهم قيل فيهم يخشون الناس أكثر من خشية الله إطلاقا للسبب أعني شدة الخشية على المسبب أعني التقاعد وعدم الامتثال بالأمر، وهذا لا يستلزم أن يكون في الواقع خشيتهم من الناس أكثر من خشيتهم من الله فإنه كفر بل قد يكون ارتكاب معصية من سؤلة النفس والغفلة عن عذاب الله والطمع في غفرانه لا من الاعتقاد بأن الناس أشد عذابا من الله وأقدر. وبناء على ظاهر هذه الآية قالت الخوارج مرتكب الكبيرة كافر فإن الآية تدل على أن القاعدين عن الجهاد يخشون من الناس أشد من خشية الله واستدلوا على ذلك من العقليات أن العاقل إذا تيقن أن الحية في هذا الحجر لا يدخل يده في ذلك الحجر قطعا وإذا أدخل يده فيه يعلم منه قطعا أنه لم يتيقن يكون الحية فيه فكذا من ارتكب كبيرة يعلم أنه لم يؤمن بآيات الوعيد ولو تيقن بوقوع العذاب على الكبيرة لم يرتكبها وبما ذكرنا اندفع هذا الاستدلال وظهر أن الآية مبنية على المجاز وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال فنقتل لولا أخرتنا هلا أمهلتنا في الدنيا إلى أجل قريب إلى زمان الموت فنموت على الفرش ذكر الجملتين بلا عطف ليدل على أن قولهم تارة كذا وتارة كذا وليسا بكلام واحد وليس هذا سؤالا عن وجه الحكمة في إيجاب القتال فإنها معلومة بل وتمني واستزادة في مدة الكف عن القتال حذرا عن الموت، ويحتمل أنهم ما تفوهوه ولكن قالوه في أنفسهم فحكى الله تعالى عنهم قل متاع الدنيا أي منفعتها والاستمتاع بها قليل من منافع الآخرة ومع ذلك سريع التقضي وإن طال فلا يفيدكم استزادة العمر وإن زاد فرضا و ثواب الآخرة خير من ثواب الدنيا وأبقى لمن اتقى من الشرك والعصيان فاستزادوا ثواب الآخرة بالتقوى عن التقاعد وامتثال أمر الله تعالى في الجهاد وكأنه جواب عن قولهم : لم كتبت علينا القتال يعني كتبنا لتكثير تمتيعكم هذا على تقدير كون قولهم لم كتبت سؤالا عن وجه الحكمة ولا تظلمون فتيلا يعني لا تنقصون أدنى شيء من ثوابكم فلا ترغبوا عنه أو المعنى لا تنقصون من آجالكم المقدرة بالقتال، قرأ ابن كثير وأبو جعفر وحمزة والكسائي بالياء لتقدم الغيبة والباقون بالتاء للخطاب ونزلت ردا لقول المنافقين الذين قالوا في قتلى أحد لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ١.
التفسير المظهري
المظهري