ﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚ

نرجح أن تكون مجموعة هذه الآيات الواردة في هذا الدرس، نزلت في وقت مبكر.. ربما كان ذلك بعد غزوة أحد، وقبل الخندق. فصورة الصف المسلم التي تبدو من خلال هذه الآيات توحي بهذا. توحي بوجود جماعات مالمعركة مع الضعف البشري ومع رواسب الجاهلية ومع المعسكرات المعادية في وقت واحد. ونرى منهج القرآن في التربية - وهو يعمل في النفوس الحية في عالم الواقع - ونرى طرفا من الجهد الموصول الذي بذله هذا المنهج، حتى انتهى بهذه المجموعة - المختلفة الدرجات، المتخلفة السمات، الملتقطة ابتداء من سفح الجاهلية - إلى ذلك التناسق والتكامل والارتفاع، الذي نشهده في أواخر أيام الرسول [ ص ] بقدر ما تسمح به الفطرة البشرية كذلك !
وهذا يفيدنا.. يفيدنا كثيرا..
يفيدنا في إدراك طبيعة النفس البشرية، وما تحمله من استعدادات الضعف واستعدادات القوة. متمثلة في خير الجماعات.. الجماعة التي رباها رسول الله [ ص ] بالمنهج القرآني..
ويفيدنا في إدراك طبيعة المنهج القرآني في التربية ؛ وكيف كان يأخذ هذه النفوس ؛ وكيف كان يتلطف لها ؛ وكيف كان ينسق الصف، الذي يحتوي على نماذج شتى من مستويات شتى. حيث نراه وهو يعمل في عالم الواقع.. على الطبيعة.. !
ويفيدنا في أن نقيس حالنا وحال المجموعات البشرية ؛ على واقع النفس البشرية، ممثلة في تلك الجماعة المختارة.. كي لا نيأس من أنفسنا حين نطلع على مواضع الضعف، فنترك العلاج والمحاولة ! وكي لا تبقى الجماعة الأولى - على كل فضلها - مجرد حلم طائر في خيالنا، لا مطمع لنا في محاولة السير على خطاها. من السفح الهابط، في المرتقى الصاعد، إلى القمة السامقة !
وكل هذه ذخيرة، حين نخرج بها - من الحياة في ظلال القرآن - نكون قد جنينا خيرا كثيرا إن شاء الله.. إن من خلال هذه المجموعة من آيات هذا الدرس يبدو لنا أنه كان في الصف المسلم يومذاك :
" أ " من يبطى ء نفسه عن الجهاد في سبيل الله، ومن يبطى ء غيره. ثم يحسبها غنيمة إذا لم يخرج فسلم، على حين أصابت المسلمين مصيبة ! كما يعدها خسارة إذا لم يخرج فغنم المسلمون، لأنه لم يكن له سهم في الغنيمة ! وبذلك يشتري الدنيا بالآخرة !
" ب " وكان فيه من المهاجرين أنفسهم - وممن كانت تأخذهم الحماسة للقتال ودفع العدوان وهم في مكة، مكفوفون عن القتال - من يأخذهم الجزع حينما كتب عليهم القتال في المدينة ؛ ويتمنى لو أن الله أمهلهم إلى أجل، ولم يكتب عليهم القتال الآن !
" ج " ومن كان يرجع الحسنة - حين تصيبه - إلى الله ؛ ويرجع السيئة - حين تصيبه - إلى النبي [ ص ] لا لشدة إيمانه بالله طبعا ؛ ولكن لتجريح القيادة والتطير بها !
" د " ومن كان يقول : طاعة، في حضرة الرسول [ ص ] فإذا خرج بيت هو ومن لف لفه غير الذي يقول !
" هـ " ومن كان يتناول الشائعات، فيذيع بها في الصف ؛ محدثا بها ما يحدثه من البلبة، قبل أن يتثبت منها، من القيادة التي يتبعها !
" و " ومن كان يشك في أن مصدر هذه الأوامر والتوجيهات كلها هو الله سبحانه. ويظن أن بعضها من عند النبي [ ص ] لا مما أوحي له به !
" ز " ومن كان يدافع عن بعض المنافقين - كما سيأتي في مطلع الدرس التالي - حتى لتنقسم الجماعة المسلمةفي أمرهم فئتين.. مما يوحي بعدم التناسق في التصور الإيماني وفي التنظيم القيادي [ من ناحية عدم فهم المجموع لوظيفة القيادة وعلاقتهم بها في مثل هذه الشؤون ]..
وقد يكون هؤلاء جميعا مجموعة واحدة من المنافقين ؛ أو مجموعتين : المنافقين. وضعاف الإيمان، الذين لم تنضج شخصيتهم الإيمانية - ولو كان بعضهم من المهاجرين.. ولكن وجود تلك المجموعة أو هاتين المجموعتين في الصف المسلم - وهو يواجه العداوات المحيطة به في المدينة من اليهود، وفي مكة من المشركين، وفي الجزيرة العربية كلها من المتربصين.. من شأنه أن يحدث خلخلة في الصف ؛ تحتاج إلى تربية طويلة، وإلى جهاد طويل !
ونحن نرى في هذا الدرس نماذج من هذا الجهاد، ومن هذه التربية. وعلاجا لكل خبيئة في النفس أو في الصف. في دقة، وفي عمق، وفي صبر كذلك، يتمثل في صبر النبي [ ص ] قائد هذا الصف، الذي يتولى تربيته بالمنهج القرآني :
" أ " نرى الأمر بالحذر، فلا يخرج المجاهدون المؤمنون فرادى، للسرايا أو المهام الجهادية. بل يخرجون " ثبات " أي سرايا أو فصائل.. أو يخرجون جميعا في جيش متكامل. لأن الأرض حولهم ملغمة ! والعداوات حولهم شتى، والكمين قد يكون كامنا بينهم من المنافقين، أو ممن يؤويهم المنافقون واليهود من عيون الأعداء المتربصين !
" ب " ونرى تصويرا منفرا للمبطئين يبدو فيه سقوط الهمة ؛ وحب المنفعة القريبة ؛ والتلون من حال إلى حال، حسب اختلاف الأحوال ! وكذلك نرى التعجيب من حال أولئك الذين كانوا شديدي التحمس في مكة للقتال، فلما كتب عليهم في المدينة عراهم الجزع.
" ج " ونرى وعد الله لمن يقاتلون في سبيل الله، بالأجر العظيم، وإحدى الحسنيين :( ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيمًا )..
" د " ونرى تصوير القرآن لشرف القصد، وارتفاع الهدف، ونبل الغاية، في القتال الذي يدفعهم إليه.. ( في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان، الذين يقولون : ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها، واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرًا )..
" هـ " كما نرى تصوير القرآن لأحقية الغاية التي يجاهد لها الذين آمنوا وقوة السند ؛ إلى جانب بطلان غاية الذين كفروا وضعف سندهم فيها :( الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله، والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت. فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفًا )..
" و " ونرى معالجة المنهج القرآني للتصورات الفاسدة، التي تنشأ عنها المشاعر الفاسدة والسلوك الضعيف. وذلك بتصحيح هذه التصورات الاعتقادية.. مرة في بيان حقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة :( قل : متاع الدنيا قليل، والآخرة خير لمن اتقى، ولا تظلمون فتيلًا ).. ومرة في تقرير حتمية الموت ونفاذ المقدر فيه ؛ مهما يتخذ المرء من الاحتياط، ومهما ينكل عن الجهاد :( أينما تكونوا يدرككم الموت، ولو كنتم في بروج مشيدة ).. ومرة في تقرير حقيقة قدر الله وعمل الإنسان : وإن تصبهم حسنة يقولوا : هذه من عند الله. وإن تصبهم سيئة يقولوا : هذه من عندك. قل : كل من عند الله. فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ؟ ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك..
" ز " ونرى القرآن يؤكد حقيقة الصلة بين الله - سبحانه - ورسوله [ ص ] وأن طاعته من
طاعته. ويقرر أن هذا القرآن كله من عنده ؛ ويدعوهم إلى تدبر الوحدة الكاملة فيه، الدالة على وحدة مصدره :( من يطع الرسول فقد أطاع الله ).. ( أفلا يتدبرون القرآن ؟ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرًا ).
" ح " ثم نراه - بعد أن يصف حال المرجفين بالأنباء - يوجههم إلى الطريق الأسلم، المتفق مع قاعدة التنظيم القيادي للجماعة :( ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، لعلمه الذين يستنبطونه منهم )..
" ط " ويحذرهم من عاقبة هذا الطريق، وهو يذكرهم فضل الله عليهم في هدايتهم :( ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلًا )..
ونستطيع أن ندرك مدى الخلخلة التي كانت تنشئها هذه الظواهر في الجماعة المسلمة ؛ والتي كانت تحتاج إلى مثل هذا الجهد الموصول، المنوع الأساليب.. حين نسمع الله - سبحانه - يأمر نبيه [ ص ] بأن يجاهد - ولو كان وحيدا - وأن يحرض المؤمنين على القتال. فيكون مسئولا عن نفسه فحسب : والله يتولى المعركة :( فقاتل في سبيل الله - لا تكلف إلا نفسك - وحرض المؤمنين، عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلًا ).. وفي هذا الأسلوب ما فيه من استجاشة القلوب، واستثارة الهمم ؛ بقدر ما فيه من استجاشة الأمل في النصر، والثقة ببأس الله وقوته..
لقد كان القرآن يخوض المعركة بالجماعة المسلمة في ميادين كثيرة. وكان أولها ميدان النفس ضد الهواجس والوساوس وسوء التصور ورواسب الجاهلية، والضعف البشري - حتى ولو لم يكن صادرا عن نفاق أو انحراف - وكان يسوسها بمنهجه الرباني لتصل إلى مرتبة القوة، ثم إلى مرتبة التناسق في الصف المسلم. وهذه غاية أبعد وأطول أمدا. فالجماعة حين يوجد فيها الأقوياء كل القوة، لا يغنيها هذا، إذا وجدت اللبنات المخلخلة في الصف بكثرة.. ولا بد من التناسق مع اختلاف المستويات.. وهي تواجه المعارك الكبيرة. والآن نأخذ في مواجهة النصوص مواجهة تفصيلية :
إن السياق يمضي - بعد هذا - إلى التعجيب من أمر طائفة أو أكثر من المسلمين - قيل إن بعضهم من المهاجرين، الذين كانت تشتد بهم الحماسة - وهم في مكة يلقون الأذى والاضطهاد - ليؤذن لهم في قتال المشركين. حيث لم يكن مأذونا لهم - بعد في قتال، للحكمة التي يعلمها الله ؛ والتي قد نصيب طرفا من معرفتها فيما سنذكره بعد.. فلما كتب عليهم القتال، بعد أن قامت للإسلام دولة في المدينة، وعلم الله أن في هذا الإذن خيرا لهم وللبشرية.. إذا هم - كما يصورهم القرآن –
( يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية ! وقالوا : ربنا لم كتبت علينا القتال ! لولا أخرتنا إلى أجل قريب ) ممن إذا أصابهم الحسنة قالوا : هذه من عند الله. وإن أصابتهم السيئة قالوا للرسول [ ص ] : هذه من عندك. وممن يقولون : طاعة حتى إذا خرجوا من عند الرسول [ ص ] بيت طائفة منهم غير الذي تقول ). وممن إذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به...
يمضي السياق ليعجب من شأن هؤلاء، في الأسلوب القرآني ؛ الذي يصور حالة النفس، كما لو كانت مشهدا يرى ويحس ! ويصحح لهم - ولغيرهم - سوء التصور والإدراك لحقائق الموت والحياة، والأجل والقدر، والخير والشر، والنفع والضرر، والكسب والخسارة، والموازين والقيم ؛ ويبين لهم حقائقها في أسلوب يصور الحقائق في صورتها الموحية المؤثرة :
( ألم تر إلى الذين قيل لهم : كفوا أيديكم، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة. فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية. وقالوا : ربنا لم كتبت علينا القتال ؟ لولا أخرتنا إلى أجل قريب ؟ قل : متاع الدنيا قليل، والآخرة خير لمن اتقى، ولا تظلمون فتيلا. أينما تكونوا يدرككم الموت. ولو كنتم في بروج مشيدة. وإن تصبهم حسنة يقولوا : هذه من عند الله. وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك. قل : كل من عند الله. فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ؟ ما أصابك من حسنة فمن الله. وما أصابك من سيئة فمن نفسك. وأرسلناك للناس رسولا، وكفى بالله شهيدا. من يطع الرسول فقد أطاع الله ؛ من تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا ).
( ويقولون : طاعة. فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول - والله يكتب ما يبيتون - فأعرض عنهم، وتوكل على الله، وكفى بالله وكيلا. أفلا يتدبرون القرآن ؟ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ).
( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به. ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم.. ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا )..
هؤلاء الذين تتحدث عنهم هذه المجموعات الأربع من الآيات ؛ قد يكونون هم أنفسهم الذين تحدثت عنهم مجموعة سابقة في هذا الدرس :( وإن منكم لمن ليبطئن ).. الآيات.. ويكون الحديث كله عن تلك الطائفة من المنافقين ؛ التي تصدر منها هذه الأعمال وهذه الأقوال كلها.
وقد كدنا نرجح هذا الرأي ؛ لأن ملامح النفاق واضحة، فيما تصفه هذه المجموعات كلها. وصدور هذه الأعمال وهذا الأقوال عن طوائف المنافقين في الصف المسلم، أمر أقرب إلى طبيعتهم، وإلى سوابقهم كذلك. وطبيعة السياق القرآني شديدة الالتحام بين الآيات جميعا..
ولكن المجموعة الأولى من هذه المجموعات التي تتحدث عن الذين :[ قيل لهم : كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة. فلما كتب عليهم القتال.. الآيات ] هي التي جعلتنا نتردد في اعتبار الآيات كلها حديثا عن المنافقين - وإن بدت فيها صفات المنافقين وبدت فيها لحمة السياق واستطراده - وجعلتنا نميل إلى اعتبار هذه المجموعة واردة في طائفة من المهاجرين - ضعاف الإيمان غير منافقين - والضعف قريب الملامح من النفاق - وأن كل مجموعة أخرى من هذه المجموعات الأربع ربما كانت تصف طائفة بعينها من طوائف المنافقين، المندسين في الصف المسلم. وربما كلها وصفا للمنافقين عامة ؛ وهي تعدد ما يصدر عنهم من أقوال وأفعال.
والسبب في وقوفنا هذا الموقف أمام آيات المجموعة الأولى ؛ وظننا أنها تصف طائفة من المهاجرين الضعاف الإيمان ؛ أو الذين لم ينضج بعد تصورهم الإيماني ؛ ولم تتضح معالم الاعتقاد في قلوبهم وعقولهم..
السبب هو أن المهاجرين هم الذين كان بعضهم تأخذه الحماسة والاندفاع، لدفع أذى المشركين - وهم في مكة - في وقت لم يكن مأذونا لهم في القتال - فقيل لهم :( كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة )..
وحتى لو أخذنا في الاعتبار ما عرضه أصحاب بيعة العقبة الثانية الاثنان والسبعون على النبي [ ص ] من ميلهم على أهل منى - أي قتلهم - لو أمرهم الرسول [ ص ] ورده عليهم :" إننا لم نؤمر بقتال ".. فإن هذا لا يجعلنا ندمج هذه المجموعة من السابقين من الأنصار - أصحاب بيعه العقبة - في المنافقين، الذين تتحدث عنهم بقية الآيات. ولا في الضعاف الذين تصفهم المجموعة الأولى. فإنه لم يعرف عن هؤلاء الصفوة نفاق ولا ضعف ؛ رضي الله عنهم جميعا.
فأقرب الاحتمالات هو أن تكون هذه المجوعة واردة في بعض من المهاجرين، الذين ضعفت نفوسهم - وقد أمنوا في المدينة وذهب عنهم الأذى - عن تكاليف القتال.. وألا تكون بقية الأوصاف واردة فيهم، بل في المنافقين. لأنه يصعب علينا - مهما عرفنا من ظواهر الضعف البشري - أن نسم أي مهاجر من هؤلاء السابقين بسمة رد السيئة إلى الرسول [ ص ] دون الحسنة ! أو قول الطاعة وتبييت غيرها.. وإن كنا لا نستبعد أن توجد فيهم صفة الإذاعة بالأمر من الأمن أو الخوف. لأن هذه قد تدل على عدم الدربة على النظام، ولا تدل على النفاق..
والحق.. أننا نجد أنفسنا - أمام هذه الآيات كلها - في موفق لا نملك الجزم فيه بشيء. والروايات الواردةعنها ليس فيها جزم كذلك بشيء.. حتى في آيات المجموعة الأولى. التي ورد أنها في طائفة من المهاجرين ؛ كما ورد أنها في طائفة من المنافقين !
ومن ثم نأخذ بالأحوط ؛ في تبرئة المهاجرين من سمات التبطئة والانخلاع مما يصيب المؤمنين من الخير والشر. التي وردت في الآيات السابقة. ومن سمة إسناد السيئه للرسول [ ص ] دون الحسنة، ورد هذه وحدها إلى الله ! ومن سمة تبييت غير الطاعة.. وإن كانت تجزئة سياق الآيات على هذا النحو ليست سهلة على من يتابع السياق القرآني، ويدرك - بطول الصحبة - طريقة التعبير القرآنية ! ! ! والله المعين.
( ألم تر إلى الذين قيل لهم : كفوا أيديكم، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة.. فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية. وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال ؟ لولا أخرتنا إلى أجل قريب ! قل : متاع الدنيا قليل. والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا ً. أينما تكونوا يدرككم الموت، ولو كنتم في بروج مشيدة )...
يعجب الله - سبحانه - من أمر هؤلاء الناس ؛ الذين كانوا يتدافعون حماسة إلى القتال ويستعجلونه وهم في مكة، يتلقون الأذى والاضطهاد والفتنة من المشركين. حين لم يكن مأذونا لهم في القتال للحكمة التي يريدها الله. فلما أن جاء الوقت المناسب الذي قدرة الله ؛ وتهيأت الظروف المناسبة وكتب عليهم القتال - في سبيل الله - إذا فريق منهم شديد الجزع، شديد الفزع، حتى ليخشى الناس الذين أمروا بقتالهم - وهم ناس من البشر - كخشية الله ؛ القهار الجبار، الذي لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد.. ( أو أشد خشية ) ! ! وإذا هم يقولون - في حسرة وخوف وجزع - ( ربنا لم كتبت علينا القتال ؟ ).. وهو سؤال غريب من مؤمن. وهو دلالة على عدم وضوح تصوره لتكاليف هذا الدين ؛ ولوظيفة هذا الدين أيضا.. ويتبعون ذلك التساؤل، بأمنية حسيرة مسكينة ! ( لولا أخرتنا إلى أجل قريب ) وأمهلتنا بعض الوقت، قبل ملاقاة هذا التكليف الثقيل المخيف !
إن أشد الناس حماسة واندفاعا وتهورا، قد يكونون هم أشد الناس جزعا وانهيارا وهزيمة عندما يجد الجد، وتقع الواقعة.. بل إن هذه قد تكون القاعدة ! ذلك أن الاندفاع والتهور والحماسة الفائقة غالبا ما تكون منبعثة عن عدم التقدير لحقيقة التكاليف. لا عن شجاعة واحتمال وإصرار. كما أنها قد تكون منبعثة عن قلة الاحتمال. قلة احتمال الضيق والأذى والهزيمة ؛ فتدفعهم قلة الاحتمال، إلى طلب الحركة والدفع والانتصار بأي شكل. دون تقدير لتكاليف الحركة والدفع والانتصار.. حتى إذا ووجهوا بهذه التكاليف كانت أثقل مما قدروا، وأشق مما تصوروا. فكانوا أول الصف جزعا ونكولا وانهيارا.. على حين يثبت أولئك الذين كانوا يمسكون أنفسهم، ويحتملون الضيق والأذى بعض الوقت ؛ ويعدون للأمر عدته، ويعرفون حقيقة تكاليف الحركة، ومدى احتمال النفوس لهذه التكاليف. فيصبرون ويتمهلون ويعدون للأمر عدته.. والمتهورون المندفعون المستحمسون يحسبونهم إذا ذاك ضعافا، ولا يعجبهم تمهلهم ووزنهم للأمور ! وفي المعركة يتبين أي الفريقين أكثر احتمالا ؛ وأي الفريقين أبعد نظرا كذلك !
وأغلب الظن أن هذا الفريق الذي تعنيه هذه الآيات كان من ذلك الصنف، الذي يلذعه الأذى في مكة فلا يطيقه ؛ ولا يطيق الهوان وهو ذو عزة. فيندفع يطلب من الرسول [ ص ] أن يأذن له بدفع الأذى، أو حفظ الكرامة. والرسول [ ص ] يتبع في هذا أمر ربه بالتريث والانتظار، والتربيةوالإعداد، وارتقاب الأمر في الوقت المقدر المناسب. فلما أن أمن هذا الفريق في المدينة ؛ ولم يعد هناك أذى ولا إذلال، وبعد لسع الحوادث عن الذوات والأشخاص ؛ لم يعد يرى للقتال مبررا ؛ أو على الأقل لم يعد يرى للمسارعة به ضرورة !
( فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية، وقالوا : ربنا لم كتبت علينا القتال ؟ لولا أخرتنا إلى أجل قريب ! ).
وقد يكون هذا الفريق مؤمنا فعلا. بدليل اتجاههم إلى الله في ضراعة وأسى ! وهذه الصورة ينبغي أن تكون في حسابنا. فالإيمان الذي لم ينضج بعد ؛ والتصور الذي لم تتضح معالمه ؛ ولم يتبين صاحبه وظيفة هذا الدين في الأرض - وأنها أكبر من حماية الأشخاص، وحماية الأقوام، وحماية الأوطان، إذ أنها في صميمها إقرار منهج الله في الأرض، وإقامة نظامه العادل في ربوع العالم ؛ وإنشاء قوة عليا في هذه الأرض ذات سلطان، يمنع أن تغلق الحدود دون دعوة الله ؛ ويمنع أن يحال بين الأفراد والاستماع للدعوة في أي مكان على سطح الأرض ؛ ويمنع أن يفتن أحد من الأفراد عن دينه إذا هو اختاره بكامل حريته - بأي لون من ألوان الفتنة - ومنها أن يطارد في رزقه أو في نشاطه حيث هو - وهذه كلها مهام خارجة عن وقوع أذى على أشخاص بعينهم أو عدم وقوعه.. وإذن فلم يكن الأمن في المدينة - حتى على فرض وجوده كاملا غير مهدد - لينهي مهمة المسلمين هناك ؛ وينهى عن الجهاد !
الإيمان الذي لم ينضج بعد ليبلغ بالنفس إلى إخراج ذاتها من الأمر ؛ والاستماع فقط إلى أمر الله وأعتباره هو العلة والمعلول، والسبب والمسبب، والكلمة الأخيرة - سواء عرف المكلف حكمتها أم لم تتضح له - والتصور الذي لم تتضح معالمه بعد ليعرف المؤمن مهمة هذا الدين في الأرض ؛ ومهمته هو - المؤمن - بوصفه قدرا من قدر الله، ينفذ به الله ما يشاؤه في هذه الحياة.. لا جرم ينشأ عنه مثل هذا الموقف، الذي يصوره السياق ال

في ظلال القرآن

عرض الكتاب
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير