ويقول الحق بعد ذلك : وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا ٩ .
والإنسان حين يترك ذرية ضعيفة يتركها وهو خائف عليهم أن يضيعهم الزمان.
فإن كان عندك أيها المؤمن ذرية ضعيفة وتخاف عليها فساعة ترى ذرية ضعيفة تركها غيرك فلتعطف عليها، وذلك حتى يعطف الغير على ذريتك الضعيفة إن تركتها. واعلم أن ربنا رقيب وقيوم ولا يترك الخير الذي فعلته دون أن يرده إلى ذريتك. وقلنا ذات مرة : إن معاوية وعمرو بن العاص اجتمعا في اواخر حياتهما فقال عمرو بن العاص لمعاوية : يا امير المؤمنين ماذا بقي لك من حظ الدنيا ؟ وكان معاوية قد صار أميرا للمؤمنين ورئيس دولة قوية غنية، فقال معاوية : أما الطعام فقد مللت أطيبه، وأما اللباس فقد سئمت ألينه، وحظي الآن في شربة ماء بارد في ظل شجرة في يوم صائف.
وصمت معاوية قليلا وسأل عمرا : وأنت يا عمرو ماذا بقي لك من متع الدنيا ؟.
وكان سيدنا عمرو بن العاص صاحب عبقرية تجارية فقال : أنا حظي عين خرارة في أرض خوارة تدر علي حياتي ولولدي بعد مماتي.
إنه يطلب عين ماء مستمر في أرض فيها أنعام وزروع تعطي الخير.
وكان هناك خادم يخدمهما، يقدم لهما المشروبات، فنظر معاوية إلى الخادم وأحب أن يداعبه ليشركه معهما في الحديث.
فقال للخادم : وأنت يا " وردان " ماذا بقي لك من متاع الدنيا ؟ أجاب الخادم : بقي لي من متع الدنيا يا أمير المؤمنين صنيعة معروف أضعها في أعناق قوم كرام لا يؤدونها إلى طول حياتي حتى تكون لعقبى في عقبهم. لقد فهم الخادم عن الله قوله :
وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا ٩ ( سورة النساء ).
فالذين يتقون الله في الذرية الضعيفة يضمنون أن الله سيرزقهم بمن يتقي الله في ذريتهم الضعيفة.
وقد تكلمنا مرة عن العبد الصالح الذي ذهب إليه موسى عليه السلام : قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا ٦٦ قال إنك لن تستطيع معي صبرا ٦٧ وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا ٦٨ قال ستجدني ان شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا ٦٩ قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا٧٠ فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا ٧١ ( سورة الكهف ).
لقد جرب العبد الصالح موسى في خرق السفينة كما توضح الآيات فقال العبد الصالح : قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا ٧٢ قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا ٧٣ ( سورة الكهف ).
ثم ما كان من أمر الغلام الذي قتله العبد الصالح وقول موسى له :" لقد جئت شيئا نكرا ".
ثم جاءا إلى أهل قرية فطلبا منهم الطعام، وحين يطلب منك ابن سبيل طعاما فاعلم انها الحاجة الملحة ؛ لأنه لو طلب منك مالا فقد تظن أنه يكتنز المال، ولكن إن طلب لقمة يأكلها فهذا أمر واجب عليك.
فماذا فعل أهل القرية حين طلب العبد الصالح وموسى طعاما لهما ؟.
يقول الحق :
فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لتخذت عليه أجرا ٧٧ ( سورة الكهف ).
إنها قرية لئيمة، ووجد العبد الصالح في القرية جدارا يريد أن يسقط وينقض فأقامه، واعترض موسى ؛ لأن عنده حفيظة على أهل القرية فقد طلبا منهم طعاما فلم يطعموهما، وقال سيدنا موسى : إنك لو شئت لاتخذت عليه أجرا ؛ لأن أهل القرية لئام، وما كان يصح أن تقيم لهم الجدار إلا إذا أخذت منهم أجرا.
لقد غاب عن موسى ما لم يغيب الله سبحانه عن العبد الصالح، فبالله لو أن الجدار وقع وهم لئام لا يطعمون من استطعمهم، ثم رأوا الكنز المتروك لليتامى المساكين، فلا بد أنهم سيغتصبون الكنز. إذن فعندما رأيت الجدار سيقع أقمته حتى أواري الكنز عن هؤلاء اللئام. ويقول الحق سبحانه :
وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا ٨٢ ( سورة الكهف ).
إذن فالعلة في هذه العملية هي الحماية لليتيمين، ولنلق بالا ولنهتم بملاحظ النص، لابد أن العبد الصالح قد أقام الجدار بأسلوب جدد عمرا افتراضيا للجدار بحيث إذا بلغ اليتيمان الرشد وقع الجدار أمامهما ؛ ليرى كلاهما الكنز، لقد تم بناء الجدار على مثال القنبلة الموقوتة بحيث إذا بلغا الرشد ينهار الجدار ليأخذوا الكنز. إنه توقيت إلهي أراده الله ؛ لأن والد اليتيمين كان صالحا، اتقى الله فيما تحت يده فأرسل الله له جنودا لا يعلمهم ولم يرتبهم ليحموا الكنز لولديه اليتيمين، لذلك فلنفهم جيدا في معاملتنا، قول الحق :
وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا ٩ ( سورة الكهف ).
لماذا ؟ لأن الإنسان عندما يكون شابا فذاتيته تكون هي الموجودة. لكن كلما تقدم الإنسان في السن تقدمت ذاتية أولاده عنده، ويحرم نفسه ليعطي أولاده، وعندما يرى أن عياله مازالوا ضعافا، وجاءت له مقدمات الموت فهو يحزن على مفارقة هؤلاء الضعاف، فيوضح الحق لكل عبد طريق الأمان : إنك تستطيع وأنت موجود أن تعطي للضعاف قوة، قوة مستمدة من الالتحام بمنهج الله وخاصة رعاية ما تحت يدك من يتامى، بذلك تؤمن حياة أولادك من بعدك وتموت وأنت مطمئن عليهم..
والقول السديد من الأوصياء : ألا يؤذوا اليتامى، وأن يكلموهم كما يكلمون أولادهم بالأدب الحسن والترحيب ويدعوهم بقولهم يا بني ويا ولدي.
وحين يتقي المؤمن الله فيما بين يديه يرزقه الله بمن يتقي الله في أولاده.
تفسير الشعراوي
الشعراوي