الآية، بِما صَبَرُوا، عَلَى دِينِهِمْ وَعَلَى عَذَابِ فِرْعَوْنَ، وَدَمَّرْنا أَهْلَكْنَا مَا كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ، فِي أَرْضِ مِصْرَ مِنَ الْعِمَارَاتِ، وَما كانُوا يَعْرِشُونَ، قَالَ مُجَاهِدٌ: يَبْنُونَ مِنَ الْبُيُوتِ وَالْقُصُورِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: يَعْرِشُونَ مِنَ الْأَشْجَارِ وَالثِّمَارِ وَالْأَعْنَابِ. وقرأ أبو بكر وابن عامر يَعْرِشُونَ بِضَمِّ الرَّاءِ هَاهُنَا وَفِي النَّحْلِ [٦٨]، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِهَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: عَبَرَ بِهِمْ مُوسَى الْبَحْرَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ بَعْدَ مَهْلِكِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ فَصَامَهُ شُكْرًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَتَوْا فَمَرُّوا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ، يقيمون، قرأ [حفص] [١] وحمزة وَالْكِسَائِيُّ يَعْكُفُونَ بِكَسْرِ الْكَافِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّهَا وَهُمَا لُغَتَانِ، عَلى أَصْنامٍ، أَوْثَانٍ لَهُمْ، يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ. [قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانت تماثيل بقر] [٢]، قال: وَذَلِكَ أَوَّلُ شَأْنِ الْعِجْلِ. قَالَ قَتَادَةُ: كَانَ أُولَئِكَ الْقَوْمُ مِنْ لَخْمٍ وَكَانُوا نُزُولًا بِالرِّقَّةِ، فَقَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ، قالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً، أَيْ: مِثَالًا نَعْبُدُهُ كَما لَهُمْ آلِهَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شَكًّا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ اجْعَلْ لَنَا شَيْئًا نُعَظِّمُهُ وَنَتَقَرَّبُ بِتَعْظِيمِهِ إلى الله وَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ الدِّيَانَةَ وَكَانَ ذَلِكَ لِشِدَّةِ جَهْلِهِمْ. قالَ مُوسَى: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، عَظَمَةَ اللَّهِ.
إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ، مُهْلَكٌ، مَا هُمْ فِيهِ، وَالتَّتْبِيرُ الإهلاك، وَباطِلٌ مضمحل وزائل، مَا كانُوا يَعْمَلُونَ.
قالَ يَعْنِي مُوسَى: أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ، أَيْ: أَبْغِي لَكُمْ وَأَطْلُبُ، إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ، أَيْ: عَلَى عَالَمَيْ زَمَانِكُمْ.
«٩٣٩» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الطَّاهِرِيُّ أَنَا جَدِّي أَبُو سَهْلٍ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَزَّازُ أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْعُذَافِرِيُّ أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّبَرِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ الدِّيلِيِّ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللِّيثِيِّ، قَالَ:
خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ حُنَيْنٍ فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةٍ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا كَانَ لِلْكُفَّارِ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، وَكَانَ الْكُفَّارُ يَنُوطُونَ سِلَاحَهُمْ بِسِدْرَةٍ يَعْكُفُونَ حَوْلَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ هَذَا كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ، لتركبنّ سنن من قبلكم».
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٤١ الى ١٤٣]
وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١) وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢) وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)
عبد الرزاق هو ابن همام، ومعمر هو ابن راشد، والزهري هو محمد بن مسلم.
وهو في «مصنف عبد الرزاق» ٢٠٧٦٣ عن الزهري به.
وأخرجه الترمذي ٢١٨٠ والنسائي في «الكبرى» ١١١٨٥ وابن أبي شيبة (١٥/ ١٠١) والطيالسي ١٣٤٦ والحميدي ٨٤٨ وأحمد (٥/ ٢١٨) وأبو يعلى ١٤٤١ وابن حبان ٦٧٠٢ والطبراني ٣٢٩٠، ٣٢٩٤ وابن أبي عاصم في «السنة» ٧٦ من طرق عن الزهري به.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(١) زيادة عن المخطوط.
(٢) سقط من المطبوع.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ، قرأ ابن عامر (وإذ أَنْجَاكُمْ)، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مَصَاحِفِ أَهْلِ الشَّامِ، مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ، قرأ نافع «يقتلون» خفيفة التاء مِنَ الْقَتْلِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّشْدِيدِ عَلَى التَّكْثِيرِ مِنَ التَّقْتِيلِ، وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ.
وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً، ذا الْقِعْدَةِ، وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ، مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى عِنْدَ انْطِلَاقِهِ إِلَى الْجَبَلِ لِلْمُنَاجَاةِ لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي، كُنْ خَلِيفَتِي، فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ، أَيْ: أَصْلِحْهُمْ بِحَمْلِكَ إِيَّاهُمْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ الرِّفْقَ بِهِمْ وَالْإِحْسَانَ إِلَيْهِمْ، وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ، أَيْ: لَا تُطِعْ مَنْ عَصَى اللَّهَ وَلَا تُوَافِقْهُ عَلَى أَمْرِهِ وَذَلِكَ أَنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعَدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَهُمْ بِمِصْرَ أَنَّ اللَّهَ إِذَا أَهْلَكَ عَدُوَّهُمْ أَتَاهُمْ بِكِتَابٍ فِيهِ بَيَانُ مَا يَأْتُونَ وَمَا يَذَرُوَنَ! فَلَمَّا فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهِمْ سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ الْكِتَابَ فَأَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَصُومَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، فلما تمّت الثلاثون أَنْكَرَ خُلُوفَ فَمِهِ فَتَسَوَّكَ بِعُودِ خرنوب، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: أَكَلَ مِنْ لِحَاءِ شَجَرَةٍ فَقَالَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةُ: كُنَّا نَشُمُّ مِنْ فِيكَ رَائِحَةَ الْمِسْكِ، فَأَفْسَدْتَهُ بِالسِّوَاكِ فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَصُومَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَقَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ خُلُوفَ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عندي من ريح المسك، وكانت فِتْنَتُهُمْ فِي الْعَشْرِ الَّتِي زَادَهَا.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ، أَيْ: لِلْوَقْتِ الَّذِي ضَرَبْنَا لَهُ أَنْ نُكَلِّمَهُ فِيهِ.
قَالَ أَهْلُ التفسير: إن موسى تَطَهَّرَ وَطَهَّرَ ثِيَابَهُ لِمِيعَادِ رَبِّهِ فلما أَتَى طُورَ سَيْنَاءَ. وَفِي الْقِصَّةِ: أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْزَلَ ظلة [١] على أربعة فَرَاسِخَ وَطَرَدَ عَنْهُ الشَّيْطَانَ وَطَرَدَ [عَنْهُ] [٢] هَوَامَّ الْأَرْضِ وَنَحَّى عَنْهُ الملكين [٣] وكشط له السماء، فرأى الْمَلَائِكَةَ قِيَامًا فِي الْهَوَاءِ وَرَأَى الْعَرْشَ بَارِزًا وَكَلَّمَهُ اللَّهُ وَنَاجَاهُ حَتَّى أَسْمَعَهُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَهُ فَلَمْ يَسْمَعْ مَا كلّمه [به] [٤] رَبُّهُ وَأَدْنَاهُ حَتَّى سَمِعَ صَرِيرَ الْقَلَمِ فَاسْتَحْلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَلَامَ رَبِّهِ وَاشْتَاقَ إِلَى رُؤْيَتِهِ، قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ، قَالَ الزَّجَّاجُ: فِيهِ اخْتِصَارٌ تَقْدِيرُهُ أَرِنِي نَفْسَكَ أَنْظُرْ إِلَيْكَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَعْطِنِي النَّظَرَ إِلَيْكَ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ سَأَلَ الرُّؤْيَةَ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُرَى فِي الدُّنْيَا؟ [قَالَ الْحَسَنُ: هَاجَ بِهِ الشَّوْقُ فَسَأَلَ الرُّؤْيَةَ. وَقِيلَ: سَأَلَ الرُّؤْيَةَ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُرَى فِي الدُّنْيَا] قالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَنْ تَرانِي، وَلَيْسَ لِبَشَرٍ أَنْ يُطِيقَ النَّظَرَ إِلَيَّ فِي الدُّنْيَا مَنْ نَظَرَ إِلَيَّ فِي الدُّنْيَا مَاتَ، فَقَالَ: إِلَهِي سَمِعْتُ كَلَامَكَ فَاشْتَقْتُ إِلَى النَّظَرِ إِلَيْكَ وَلَأَنْ أَنْظُرَ إِلَيْكَ ثُمَّ أَمُوتُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعِيشَ وَلَا أَرَاكَ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ، وَهُوَ أَعْظَمُ جَبَلٍ بِمَدْيَنَ يُقَالُ لَهُ زُبَيْرٌ. قَالَ السُّدِّيُّ: لَمَّا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى غَاصَ الْخَبِيثُ إِبْلِيسُ فِي الْأَرْضِ حَتَّى خرج من بين قدمي
(٢) زيادة عن المخطوط وط.
(٣) في المخطوط «الملئكة».
(٤) زيادة عن المخطوط.
موسى، فوسوس إليه وقال: إنّ من كلّمك شَيْطَانٌ فَعِنْدَ ذَلِكَ سَأَلَ مُوسَى الرُّؤْيَةَ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:
لَنْ تَرانِي، وَتَعَلَّقَتْ نُفَاةُ الرُّؤْيَةِ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَقَالُوا: قَالَ الله لَنْ تَرانِي، وَلَنْ تَكُونُ لِلتَّأْبِيدِ [١]، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهَا، وَمَعْنَى الْآيَةِ: لَنْ تَرَانِي فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْحَالِ، لِأَنَّهُ كَانَ يسأل الرؤية في الحال ولن لَا تَكُونُ لِلتَّأْبِيدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً [الْبَقَرَةُ: ٩٥]، إِخْبَارًا عَنِ الْيَهُودِ، ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَتَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ فِي الْآخِرَةِ كما قال الله تعالى: وَنادَوْا يَا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ [الزخرف: ٧٧]، ويا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ (٢٧) [الْحَاقَّةُ: ٢٧]، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَنْسِبْهُ إِلَى الجهل بسؤال الرؤية وأنه لم يَقُلْ إِنِّي لَا أَرَى حَتَّى تَكُونَ لَهُمْ حُجَّةٌ بَلْ عَلَّقَ الرُّؤْيَةَ عَلَى اسْتِقْرَارِ الْجَبَلِ وَاسْتِقْرَارُ الجبل عند التَّجَلِّي غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ إِذَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ تِلْكَ الْقُوَّةَ، وَالْمُعَلَّقَ بِمَا لَا يَسْتَحِيلُ لَا يَكُونُ مُحَالًا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي، قَالَ وَهْبٌ وَابْنُ إِسْحَاقَ: لَمَّا سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ الرُّؤْيَةَ أَرْسَلَ اللَّهُ الضَّبَابَ وَالصَّوَاعِقَ وَالظُّلْمَةَ وَالرَّعْدَ وَالْبَرْقَ وأحاط بِالْجَبَلِ الَّذِي عَلَيْهِ مُوسَى أَرْبَعَةَ فَرَاسِخَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَأَمَرَ الله ملائكة السماء أن يعرضوا [٢] عَلَى مُوسَى فَمَرَّتْ بِهِ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا كَثِيرَانِ الْبَقَرِ تَنْبُعُ أَفْوَاهُهُمْ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ بِأَصْوَاتٍ عَظِيمَةٍ كَصَوْتِ الرَّعْدِ الشَّدِيدِ، ثُمَّ أَمَرَ اللَّهِ مَلَائِكَةَ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ أَنِ اهْبِطُوا عَلَى مُوسَى، فَاعْتَرَضُوا عَلَيْهِ فَهَبَطُوا عَلَيْهِ أَمْثَالَ الْأُسُودِ لَهُمْ لَجَبٌ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ، فَفَزِعَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ ابْنُ عِمْرَانَ مِمَّا رَأَى وَسَمِعَ وَاقْشَعَرَّتْ كُلُّ شَعْرَةٍ فِي رَأْسِهِ وَجَسَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ نَدِمْتُ عَلَى مَسْأَلَتِي فَهَلْ يُنْجِينِي مِنْ مَكَانِي الَّذِي [أَنَا] [٣] فِيهِ شَيْءٌ؟ فَقَالَ لَهُ خَيْرُ الْمَلَائِكَةِ ورأسهم: يا موسى اصْبِرْ لِمَا سَأَلْتَ، فَقَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ مَا رَأَيْتَ.
ثُمَّ أَمَرَ اللَّهُ مَلَائِكَةَ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ أَنِ اهْبِطُوا عَلَى مُوسَى فَاعْتَرَضُوا عَلَيْهِ، فَهَبَطُوا أَمْثَالَ النُّسُورِ لَهُمْ قَصْفٌ ورجف ولجب شَدِيدٌ، وَأَفْوَاهُهُمْ تَنْبُعُ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ [لهم جلب] [٤] كَجَلَبِ الْجَيْشِ الْعَظِيمِ أَلْوَانُهُمْ كَلَهَبِ النار، ففزع موسى واشتدّ فزعه وَأَيِسَ مِنَ الْحَيَاةِ، فَقَالَ لَهُ خير الملائكة: يَا ابْنَ عِمْرَانَ مَكَانَكَ حَتَّى تَرَى مَا لَا تَصْبِرُ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَ اللَّهِ مَلَائِكَةَ السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ أَنِ اهْبِطُوا فَاعْتَرِضُوا عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، فَهَبَطُوا عَلَيْهِ لا يشبههم شيء من [الملائكة] [٥] الَّذِينَ مَرُّوا بِهِ قَبْلَهُمْ أَلْوَانُهُمْ كَلَهَبِ النَّارِ، وَسَائِرُ خَلْقِهِمْ كَالثَّلْجِ الأبيض أصواتهم عالية بِالتَّقْدِيسِ وَالتَّسْبِيحِ لَا يُقَارِبُهُمْ شَيْءٌ مِنْ أَصْوَاتِ الَّذِينَ مَرُّوا بِهِ قبلهم، فاصطكّت ركبتاه وارتعد قَلْبُهُ وَاشْتَدَّ بُكَاؤُهُ، فَقَالَ لَهُ خَيْرُ الْمَلَائِكَةِ وَرَأْسُهُمْ: يَا ابْنَ عِمْرَانَ اصْبِرْ لِمَا سَأَلْتَ فَقَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ مَا رَأَيْتَ، ثُمَّ أمر الله مَلَائِكَةَ السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ أَنِ اهْبِطُوا فَاعْتَرِضُوا عَلَى مُوسَى فَهَبَطُوا عَلَيْهِ لَهُمْ سَبْعَةُ أَلْوَانٍ فَلَمْ يَسْتَطِعْ مُوسَى أَنْ يُتْبِعَهُمْ بَصَرَهُ، لَمْ يَرَ مِثْلَهُمْ وَلَمْ يَسْمَعْ مِثْلَ أَصْوَاتِهِمْ فَامْتَلَأَ جَوْفُهُ خَوْفًا وَاشْتَدَّ حُزْنُهُ وَكَثُرَ بُكَاؤُهُ، فَقَالَ لَهُ خَيْرُ الْمَلَائِكَةِ وَرَأْسُهُمْ: يَا ابْنَ عِمْرَانَ مَكَانَكَ حَتَّى تَرَى بَعْضَ مَا لَا تَصْبِرُ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَ اللَّهُ مَلَائِكَةَ السَّمَاءِ السَّادِسَةِ أَنِ اهْبِطُوا عَلَى [عَبْدِي الَّذِي طلب أن يراني] [٦] فَهَبَطُوا عَلَيْهِ فِي يَدِ كُلِّ ملك منهم [عمود] [٧] مثل النخلة الطويلة نار أَشَدَّ ضَوْءًا مِنَ الشَّمْسِ، وَلِبَاسُهُمْ كَلَهَبِ النَّارِ إِذَا سَبَّحُوا وَقَدَّسُوا جَاوَبَهُمْ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ مِنْ ملائكة السموات، كُلُّهُمْ يَقُولُونَ بِشِدَّةِ أَصْوَاتِهِمْ: سُبُّوحٌ قدّوس ربّ الملائكة والروح، رَبُّ الْعِزَّةِ أَبَدًا لَا يَمُوتُ، وفي رَأْسِ كُلِّ مَلَكٍ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ، فَلَمَّا رَآهُمْ مُوسَى رَفَعَ صَوْتَهُ يُسَبِّحُ مَعَهُمْ حِينَ سَبَّحُوا وَهُوَ يَبْكِي وَيَقُولُ: رَبِّ اذْكُرْنِي وَلَا تَنْسَ عَبْدَكَ لَا أَدْرِي أَأَنْفَلِتُ مِمَّا أَنَا فِيهِ أَمْ لا؟ إن خرجت
(٢) في المخطوط «يعترضوا». [.....]
(٣) زيادة عن المخطوط.
(٤) زيادة عن المخطوط.
(٥) زيادة عن المخطوط.
(٦) ما بين المعقوفتين في المطبوع «موسى فاعترضوا عليه».
(٧) زيادة عن المخطوط.
احْتَرَقْتُ وَإِنْ مَكَثْتُ مِتُّ، فَقَالَ لَهُ كَبِيرُ الْمَلَائِكَةِ وَرَأَسُهُمْ: قَدْ أَوْشَكْتَ يَا ابْنَ عِمْرَانَ أَنْ يَشْتَدَّ خَوْفُكَ وَيَنْخَلِعَ قَلْبُكَ فَاصْبِرْ لِلَّذِي سَأَلْتَ، ثُمَّ أَمَرَ اللَّهُ أن يحمل عرشه مَلَائِكَةِ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَلَمَّا بَدَا نُورُ الْعَرْشِ انْفَرَجَ الْجَبَلُ مِنْ عَظَمَةِ الرَّبِّ جَلَّ جَلَالُهُ، وَرَفَعَتْ ملائكة السموات أصواتهم جميعا يقولون: سبحان الملك الْقُدُّوسِ رَبِّ الْعِزَّةِ أَبَدًا لَا يَمُوتُ بِشِدَّةِ أَصْوَاتِهِمْ، فَارْتَجَّ الْجَبَلُ وَانْدَكَّتْ كُلُّ شَجَرَةٍ كَانَتْ فِيهِ وَخَرَّ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ مُوسَى صَعِقًا عَلَى وَجْهِهِ لَيْسَ مَعَهُ رَوْحُهُ، فأرسل الله برحمته الروح فيغشاه، وَقَلَبَ عَلَيْهِ الْحَجَرَ الَّذِي كَانَ موسى عليه وَجَعَلَهُ كَهَيْئَةِ الْقُبَّةِ لِئَلَّا يَحْتَرِقَ مُوسَى، فَأَقَامَهُ الرُّوحُ مِثْلَ اللَّامَةِ [١]، فقام موسى يسبّح الله وَيَقُولُ: آمَنْتُ بِكَ رَبِّي وَصَدَّقْتُ أَنَّهُ لَا يَرَاكَ أَحَدٌ فَيَحْيَا، مَنْ نَظَرَ إِلَى مَلَائِكَتِكَ انْخَلَعَ قَلْبُهُ فَمَا أَعْظَمَكَ وَأَعْظَمَ مَلَائِكَتَكَ أَنْتَ رَبُّ الْأَرْبَابِ وَإِلَهُ الْآلِهَةِ وَمَلِكُ الْمُلُوكِ، وَلَا يَعْدِلُكَ شَيْءٌ وَلَا يَقُومُ لَكَ شَيْءٌ، رَبِّ تُبْتُ إِلَيْكَ الْحَمْدُ لَكَ لَا شريك لك ما أعظمك ما أَجَلَّكَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ظَهَرَ نُورُ رَبِّهِ لِلْجَبَلِ جَبَلِ زُبَيْرٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَظْهَرَ اللَّهُ مِنْ نُورِ الْحُجُبِ مِثْلَ مَنْخَرِ ثَوْرٍ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَكَعْبُ الْأَحْبَارِ: مَا تَجَلَّى مِنْ عَظَمَةِ اللَّهِ لِلْجَبَلِ إِلَّا مَثَّلُ سَمِّ الْخِيَاطِ حَتَّى صَارَ دَكًّا. وَقَالَ السُّدِّيُّ: مَا تَجَلَّى إِلَّا قَدَرَ الْخِنْصَرِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا:
«٩٤٠» رَوَى ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ وَقَالَ «هَكَذَا» وَوَضَعَ الْإِبْهَامَ عَلَى الْمَفْصِلِ الْأَعْلَى مِنَ الْخِنْصَرِ، «فَسَاخَ الْجَبَلُ».
وَحُكِيَ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَظْهَرَ مِنْ سَبْعِينَ أَلْفِ حِجَابٍ نُورًا قَدَرَ الدِّرْهَمِ، فَجَعَلَ الْجَبَلَ دَكًّا. أَيْ: مُسْتَوِيًا بِالْأَرْضِ. قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ دَكَّاءَ مَمْدُودًا غَيْرَ مُنَوَّنٍ هَاهُنَا وَفِي سُورَةِ الْكَهْفِ، وَافَقَ عَاصِمٌ فِي الْكَهْفِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ دَكًّا مقصورا منوّنا، فمن قصر فَمَعْنَاهُ جَعَلَهُ مَدْقُوقًا: وَالدَّكُّ وَالدَّقُّ وَاحِدٌ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ دَكَّهُ اللَّهُ دكا فتقه كما قال: إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا [الْفَجْرُ:
٢١]، وَمَنْ قَرَأَ بِالْمَدِّ أَيْ جَعَلَهُ مُسْتَوِيًا أَرْضًا دَكَّاءَ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ جَعَلَهُ مِثْلَ دَكَّاءَ وَهِيَ النَّاقَةُ الَّتِي لَا سَنَامَ لَهَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جَعَلَهُ تُرَابًا. وَقَالَ سُفْيَانُ: سَاخَ الْجَبَلُ فِي الْأَرْضِ حَتَّى وَقَعَ فِي الْبَحْرِ فَهُوَ يَذْهَبُ فِيهِ. وَقَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ: صَارَ رَمْلًا هَائِلًا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: جَعَلَهُ دَكًّا أَيْ كسرا جبالا صغارا.
حسن غريب صحيح.
وأعله ابن عدي، وعده من غرائب حماد بن سلمة، وأنه مما دسّ في كتبه.
وقال ابن الجوزي: لا يثبت.
قال ابن عدي الحافظ: كان ابن أبي العرجاء ربيب حماد بن سلمة، فكان يدس في كتبه هذه الأحاديث اه.
وقد صححه الألباني في «صحيح الترمذي» ٢٤٥٨، والذي أراه أنه معلول، لكن لا يتهيأ الحكم عليه بالوضع وإنما الراجح وقفه.
وقد ورد من وجه آخر أخرجه الطبري ١٥٠٩٦ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أنس وهذا إسناد ضعيف، فيه رجل لم يسمّ.
وورد موقوفا، أخرجه ابن أبي عاصم في «السنة» ٤٨٢ و٤٨٣ من طريقين صحيحين عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ أنس وهو على شرط البخاري ومسلم، وهو أصح من المرفوع.
(١) في المخطوط «اللام».
معالم التنزيل
محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي
عبد الرزاق المهدي