بعد ما أهلك الله تعالى فرعون وصامه شكرا لله تعالى فَأَتَوْا أي فمروا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ أي يواظبون على عبادة أصنام لهم وكانت تماثيل على صور البقر، وهم من الكنعانيين الذين أمر موسى بقتالهم.
وقرأ حمزة والكسائي بكسر الكاف. والباقون بالضم قالُوا عند ما شاهدوا أحوالهم يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً أي عين لنا تماثيل نتقرب بعبادتها إلى الله تعالى كَما لَهُمْ آلِهَةٌ يعبدونها. قالَ موسى: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) فلا جهل أعظم مما ظهر منهم فإنهم قالوا ذلك بعد ما شاهدوا المعجزة العظمى إِنَّ هؤُلاءِ أي القوم الذين يعبدون تلك التماثيل مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ أي مهلك ما هم فيه من الدين. أي إن الله يهدم دينهم عن قريب ويحطم أصنامهم وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) من عبادتها أي فلا يعود عليهم من ذلك العمل نفع ولا دفع ضرر. قالَ موسى: أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٤٠) أي أأطلب لكم غير الله معبودا والحال أنه تعالى وحده فضّلكم على عالمي زمانكم بالإسلام. أو فضلكم على العالمين بتخصيصكم بنعم لم يعطها غيركم، كالتخصيص بتلك الآيات القاهرات فإنه لم يحصل مثلها لأحد من العالمين، وإن كان غيرهم فضلهم بسائر الخصال مثاله رجل تعلّم علما واحدا وآخر تعلّم علوما كثيرة سوى ذلك العلم، فصاحب العلم الواحد مفضل على صاحب العلوم الكثيرة بذلك الواحد. وفي الحقيقة إن صاحب العلوم الكثيرة مفضل على صاحب العلم الواحد والمعنى أآمركم أن تعبدوا ربا يتخذ ويطلب بل الإله هو الذي يكون قادرا على الإيجاد وإعطاء الحياة وجميع النعم
وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ أي واذكروا وقت إنجائنا إياكم من فرعون وقومه بإهلاكهم بالكلية.
وقرأ ابن عامر «أنجاكم» بحذف الياء والنون يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ أي يعطونكم أشد العذاب يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ صغارا وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ أي يستخدمون نساءكم كبارا وَفِي ذلِكُمْ أي الإنجاء بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١) أي نعمة عظيمة من ربكم ويقال:
وفي ذلكم العذاب بلية عظيمة من ربكم وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً.
روي أن موسى وهو بمصر وعد بني إسرائيل إذا أهلك الله تعالى عدوهم فرعون أن يأتيهم بكتاب من عند الله تعالى فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما أهلك الله تعالى فرعون سأل موسى ربه أن ينزل عليه الكتاب الذي وعد به بني إسرائيل فأمره أن يصوم ثلاثين يوما فصامها وهي شهر ذي القعدة، فلما أتم الثلاثين أنكر خلوف فمه فتسوك بعود خرنوب. فقالت الملائكة: كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك فأمره الله أن يصوم عشر ذي الحجة وقال له: أما علمت أن
خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك فكانت فتنة بني إسرائيل في تلك العشر التي زادها الله تعالى لموسى عليه الصلاة والسلام. وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ
عند ذهابه إلى الجبل للمناداة: اخْلُفْنِي أي كن خليفتي فِي قَوْمِي وراقبهم فيما يأتون وما يذرون وَأَصْلِحْ أمور بني إسرائيل وأمرهم بعبادة الله تعالى وهي صلاحهم وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢) أي ومن دعاك منهم إلى طريق المفسدين بالمعاصي فلا توافقه وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا أي لميعادنا في مدن في يوم الخميس يوم عرفة فكلمه الله تعالى فيه من غير واسطة وأعطاه التوراة صبيحة يوم الجمعة يوم النحر وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ أي أزال الحجاب بين موسى وبين كلامه فسمعه من كل جهة.
قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ أي أرني ذاتك بأن تمكنني من رؤيتك فأراك. قالَ تعالى له: لَنْ تَرانِي أي لن تقدر أن تراني في الدنيا يا موسى وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ في مدين فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي أي فإن استقر الجبل مكانه لرؤيتي فلعلك تراني. والرؤية متأخرة عن النظر، لأنه تقليب الحدقة السليمة جهة المرئي التماسا لرؤيته، والرؤية الإدراك بالباصرة بعد النظر فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا أي فلما ظهرت عظمته تعالى لجبل زبير جعله مكسورا. قيل: إن جبل زبير أعظم جبل في مدين فإنه صار ستة أجبل، فوقع ثلاثة منها بالمدينة وهي: أحد، وورقان، ورضوى. وقع ثلاثة بمكة وهي: ثور وثبير وحراء، أي أمر الله تعالى ملائكة السماء السابعة بحمل عرشه، فلما بدا نور العرش انصدع الجبل من عظمة الله تعالى.
وقرأ حمزة الكسائي «دكاء» بالمد أي مستويا بالأرض. وقرأ ابن وثاب «دكا» بضم الدال وبالقصر جمع دكاء أي قطعا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً أي مغشيا عليه من هول ما رآه من النور فَلَمَّا أَفاقَ من غشيته قالَ سُبْحانَكَ أي تنزيها لك عن أن ترى في الدنيا تُبْتُ إِلَيْكَ من الجراءة على السؤال بغير إذن منك وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣) أي المقرين بأنك لا ترى في الدنيا لكل الأنبياء، وقد ثبتت الرؤية لنبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم ليلة الإسراء على الصحيح أو يقال: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ بأنه لا يجوز السؤال منك إلا بإذنك قالَ تعالى له: قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ أي فضلتك عَلَى النَّاسِ أي بني إسرائيل بِرِسالاتِي أي بكتب التوراة. وقرأ نافع وابن كثير «برسالتي» بالإفراد أي تبليغ رسالتي وَبِكَلامِي أي وبتكلمي معك بغير واسطة فَخُذْ ما آتَيْتُكَ أي فاعمل ما أعطيتك من الرسالة أي الوحي وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) أي واشتغل بشكر الفوز بهذه النعمة وهو القيام بلوازمها علما وعملا، ولا يضق قلبك بسبب منعك الرؤية وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ أي وكتبنا لموسى في ألواح التوراة مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه موسى وقومه في دينهم من الحلال والحرام والمحاسن والقبائح مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ بدل من قوله تعالى «من كل شيء» باعتبار محله وهو النصب. أي كتبنا له كل شيء من المواعظ التي توجب الرغبة في الطاعة والنفرة عن المعصية، ومن شرح أقسام الأحكام فَخُذْها أي فقلنا
اعمل بهذه الأشياء بِقُوَّةٍ أي بجد ونية صادقة وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها أي التوراة. أي يعملوا بمحكمها ويؤمنوا بمتشابهها وقال بعضهم: الحسن يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح، وأحسن هذه الثلاثة الواجبات والمندوبات سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (١٤٥) أي سأدخلكم الشام بطريق الإيراث، وأريكم منازل الكافرين الذين كانوا متوطنين فيها من الجبابرة والعمالقة لتعتبروا بها فلا تفسقوا مثل فسقهم. وقرئ «سأورثكم» بالثاء المثلثة سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أي سأزيل الذين يتكبرون في الأرض بالدين الباطل عن إبطال آياتي بإهلاكهم على يد موسى، وإن اجتهدوا كما اجتهد فرعون في إبطال ما رآه من الآيات فلا يقدرون على منع موسى من تبليغها ولا على منع المؤمنين من الإيمان بها، أي وإنما يرى بنو إسرائيل دار الفاسقين بعد هلاكهم وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها أي وأن يشاهدوا كل معجزة كفروا بكل واحدة منها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ أي الدين الحق والخير لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا أي لا يسلكوا سبيله.
وقرأ حمزة والكسائي «الرشد» بفتح الراء والشين. والباقون بضم الراء وسكون الشين.
وروي عن ابن عامر بضمتين، وقال أبو عمرو بن العلاء: «الرشد» بضم وسكون: الصلاح في النظر. وبفتحتين: الاستقامة في الدين وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ أي الضلال يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا أي يختارونه مسلكا لأنفسهم ذلِكَ أي تكبرهم وعدم إيمانهم بشتى من الآيات وإعراضهم عن سبيل الرشد وإقبالهم التام إلى سبيل الغي بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي حاصل بسبب أنهم كذبوا بكتابنا الدال على بطلان اتصافهم بالقبائح وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٤٦) أي وكانوا جاحدين بها وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي بكتابنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ أي وبلقائهم الآخرة التي هي موعد الجزاء حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ أي حسناتهم التي لا تتوقف على نية، كصلة الأرحام وإغاثة الملهوفين وإن نفعتهم في تخفيف العذاب، لكن التخفيف لا يقال له: ثواب. هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧) أي ما يجزون في الآخرة إلا على ما كانوا يعملون في الدنيا من الكفر والمعاصي وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا أي صاغ موسى السامري المنافق وهو من بني إسرائيل من بعد انطلاق سيدنا موسى عليه السلام إلى الجبل عجلا من ذهب جَسَداً أتى بهذا البدل لدفع توهم أنه صورة عجل منقوشة على حائط مثلا لَهُ خُوارٌ أي صوت.
وقرأ علي رضي الله عنه «جؤار» بالجيم والهمزة أي صياح. قيل: إن بني إسرائيل كان لهم، عيد يتزينون فيه ويستعيرون من القبط الحلي، فلما أغرق الله القبط بقيت تلك الحلي في أيدي بني إسرائيل وصارت ملكا لهم، فجمع السامري تلك الحلي. وكان رجلا مطاطا فيهم صائغا، فصاغ السامري عجلا وأخذ كفا من تراب حافر فرس جبريل عليه السلام فألقاه في جوف ذلك العجل،
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا
محمد أمين الضناوي