وإذا أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ١٤١ [ الأعراف : آية ١٤١ ].
قرأ هذا الحرف عامة السبعة غير ابن عامر : وإذ أنجيناكم من آل فرعون وقرأه ابن عامر وحده من السبعة : وإذ أنجاكم من آل فرعون من غير ياء ولا نون. فعلى قراءة ابن عامر : اذكروا إذ أنجاكم الله. أناجكم هو، أي : الله. وعلى قراءة الجمهور : أنجيناكم فالنون للتعظيم، والله هو المتكلم بذلك معظما لنفسه. وقوله : واذكروا إذ أنجيناكم حين أنجيناكم من آل فرعون أي : من فرعون وقومه.
يسومونكم سوء العذاب قال بعض العلماء : يسومونكم يبغونكم سوء العذاب، كما تقول لمن طلب السلعة : سامها. والعلماء يقولون : سامه كذا. إذا أذاقه إياه، ومنه : سامه العذاب إذا أذاقه إياه، ومنه : سامه العذاب إذا أذاقه العذاب وكلفه إياه. وهو معنى مشهور في كلام العرب. ومنه قول عمرو بن كلثوم في معلقته :
| إذا ما الملك سام الناس خسفا | أبينا أن نقر الذل فينا |
يقتلون أبناءكم قرأ هذا الحرف عامة القراء غير نافع : يقتلون أبناءكم وقرأه نافع وحده : يقتلون أبناءكم بسكون القاف وضم التاء. وقرأ مع نافع ابن كثير : سنقتل أبناءهم [ الأعراف : آية ١٢٧ ] والجمهور يقرؤون : سنقتل و يقتلون بصيغة التضعيف ؛ لأن التضعيف يدل على التكثير، يقتل أولادهم كثيرا. وهذا معنى قوله : يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم أي : إناثكم يتركوهن حيات.
وفي هذه الآية الكريمة ونظائرها في القرآن سؤال معروف، وهو أن التحقيق في قوله : يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم كأنه بدل من قوله : يسومونكم سوء العذاب [ الأعراف : آية ١٤١ ] فتقتيل الأبناء واستحياء النساء هو من نفس سوء العذاب الذي كان يسومهم. ووجه السؤال هو أن يقال : أما تقتيل الأبناء فكونه من العذاب الذي يسومهم به [ فظاهر ] ( ما بين المعقوفتين [ ] زيادة بها الكلام )، وأما استحياء النساء فمن أين كان يعد من جملة العذاب الذي يسومهم ؛ لأن استحياءها قد يسبق إلى الذهن إنه خير من موتها، وأن بقاء أحد الولدين خير من موتهما جميعا، والإناث هبة من الله أيضا، كما قال تعالى : يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور [ الشورى : آية ٤٩ ] فوجه السؤال : كيف عد استحياء النساء من جملة العذاب الذي يسومهم، مع أن ترك قتلهم أهون، كما قال :
| حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا | خراش وبعض الشر أهون من بعض |
وأجاب بعض العلماء عن هذا السؤال : بأن استحياء الأنثى قد يكون خيرا ( في هذا الموضوع ذهب التسجيل. وتجد جواب هذا السؤال فيما مضى عند تفسير الآية ( ٤٩ ) من سورة البقرة وما بين المعقوفين نقلته منه ( بتصرف ) ) [ من تذبيح الكل، كما قال الهذلي :
| حمدت إلهي بعد عروة إذ نجي | خراش وبعض الشر أهون من بعض |
| مودة تهوى عمر شيخ يسره | لها الموت قبل الليل لو أنها تدري |
| يخاف عليها جفوة الناس بعده | ولا ختنا يرجى أود من القبر |
| إني وإن سيق إلي المهر | ألف وعبدان وذود عشر |
وفي شعر الحماسة :
| تهوي حياتي وأهوى موتها شفقا | والموت أكرم نزال على الحرم |
| لقد زاد الحياة إلي حبا | بناتي، أنهن من الضعاف |
| فأكره أن يرين البؤس بعدي | وأن يشربن كدرا بعد صافي |
أحدهما : أنها راجعة إلى الإنجاء : أنجيناكم وفي ذلك الإنجاء بلاء، أي : بلاء بالنعمة من الله عظيم عليكم.
القول الثاني : أن الإشارة في قوله : ذالكم راجعة إلى ما يسومهم من سوء العذاب من تقتيل الأبناء، وعليه فقوله : بلاء [ الأعراف : آية ١٤١ ] أي : بلاء بالشر –والعياذ بالله- عظيم من ربكم.
والبلاء يكون بالخير ويكون بالشر كما هو معروف، وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون [ الأعراف : آية ١٦٨ ].
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير